Menu

اللغة العربية.. هُوية وثقافة وحضارة وتاريخ : بقلم د.عبد المنعم أبو الفتوح

اللغة العربية.. هُوية وثقافة وحضارة وتاريخ : بقلم د.عبد المنعم أبو الفتوح

اللغة قيمة عليا وكبرى فى حياة أى أمة.. فهى ليست مجرد أداة لحمل الأفكار ونقل المفاهيم فقط وليست مجرد وسيلة ربط واتصال بين أبناء الأمة الواحدة أو الشعب الواحد فقط وبما يحقق بينهم التقارب والتشابه والانسجام.. بل أتصور أنها تمثل (الذات العميقة للشخصية الحضارية) لأى أمة.. فكرا وثقافة وهوية وتاريخا.. وهى بالحقيقة وعاء الفكر والفهم وأفق الشعور والخيال للإنسان.. وهى ذاته وهويته أو كما قال أحدهم (بيت كيانه).

واللغة هى معجزة الإنسان الكبرى كما خلقه الله العلى القدير.. (وعلم آدم الأسماء كلها).. (خلق الإنسان *علمه البيان).. هذا البيان الذى وصفه العلماء بأنه أحد تجليات (رحمة الله ) على الإنسان.. (الرحمن.علم القرآن. خلق الانسان. علمه البيان)..

وإذا كان التفكير لغة صامتة.. فإن اللغة (فكر ناطق) وهى بالفعل (الرابطة الحقيقية بين عالم الجسد وعالم العقل).

وكما يقول أحد المفكرين (إن لغتى هى مسكنى، هى موطنى ومستقرى هى حدود عالمى الحميم وهى معالمه وتضاريسه ومن نوافذها ومن خلال عيونها أنظر إلى بقية أرجاء الكون الفسيح).

واللّغة أقدم مظهر (للهوية) فهى التى صاغت أول هوية لجماعة ما فى تاريخ الإنسانية..فاللغة الواحدة هى التى جعلت من كل (فئة) من الناس (جماعة واحدة) ذات هوية مستقلة.. و(اللغة والهوية) صفتان إنسانيتان بامتياز، لأن الإنسان وحده هو الذى يملك الوعى والشعور بنفسه وبغيره..

وإذا كانت اللغة تحتوى على طرق التفكير والتاريخ والمشاعر وإرادة الناس وطُموحاتهم وشكل علاقاتهم فالهويّة أيضًا هى هذه الأشياء مجتمعة.

اللغة إذن والهُوية وجهان لشىء واحد: فالإنسان فى جوهره ليس سوى ( لُغة) و(هُويَّة) اللُّغة فكره ولسانه وانتماؤه وهذه الأشياء هى وجهه وحقيقته و(هُويته).

وتجمعهما صفة أخرى مهمة.. إنهما (تاريخيتان) بمعنى أنّهما محتاجتان إلى التاريخ حتى تتشكلاَ وتتعمقا وتأخذا الأبعاد اللازمة..

وإذا كانت (اللُّغة) بشكل عام هى الهوية لأى أمة كما ذكرنا فإنَّ (اللغة العربية) ذاتُ خصوصية فى هذا المعنى فهى أكثر من لغة وهى أشد التصاقًا بناطقيها وتمييزًا لهم.. هى حقيقة (هوية) من طراز خاص تمتلك الكثير من عناصر القوة التى تعطيها هذا البعد الحضارى العميق.. فهى (مقدَسة) فى نظر أبنائها وقداستها مستمدة من ارتباطها بكلام الله – تعالى - (القرآن الكريم) بحروفه وألفاظه هذه القداسة تجعل منها جزءًا من الدين.. الذى هو أهم عوامل الهُوية وأقواها حضورًا عند الإنسان.. وهى (محفوظة) تعهّد الله بأن تبقى ما بقيت الحياة، لأنها أيضًا لغة القرآن الكريم (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ولذلك فإنَّه لا يخشى عليها من الزوال.

بين اللُّغة والثقافة رِباط حميم ذلك أننا لا نتصور لغةً ما لا تنتج ثقافة أيا كانت اللُّغة وأيا كانت الثقافة، كما أننا لا نتصور ثقافة لا تعتمد فى جانب أساسى منها على وعاء لغويٍ يحتويها، ويتفاعل معها وينقلها...

والثقافة هى الحصن المنيع للأمة واللغة هى أمارة على شخصية الأمة وذاتيتها ولا تتجلى الذاتية الثقافية لأى أمة إلا عبر لغتها القومية...لأن الذاتية الثقافية تتمثل فى التراث الفكرى وفى الرؤى الحضارية للمجتمع..

واللغة العربية من أقدم اللغات التى ما زالت تتمتع بخصائصها ألفاظًا وتركيبًا وصرفًا ونحوًا وأدبًا وخيالًا.. وهى من أكثر لغات الأرض مفردات وتراكيب وهى لغة علم وفن وعقل وروح وصوت وصورة.. وتملك أوسع مدرج صوتى عرفته لغات الدنيا (من الشفتين إلى أقصى الحلق).

علماء اللّغات صنفوا اللغة العربية ضمنَ أسرة (اللغات المتصرفة) وهى أرقى الأسر اللغوية فهى تمتلك وسائلَ كثيرة تزيد من قدرتها على تحقيق وظائفها فى التعبير والتواصُل وعلى تحمل المعانى المختلفة، والتعبير عنها. ويعَد معجم العربية من أغنى معاجم اللغات فى المفردات ومرادفاتها (الثروة اللفظية) إذْ تضم المعاجم العربية (الكبيرة) أكثر من مليون مفردة.

والعربية تتطور كسائر اللغات فقد أُميتتْ مفردات منها واندثرت وأُضيفَتْ إليها مفردات وقامت مجامع اللغة العربية بجهد كبير فى تعريب الكثير من مصطلحات الحضارة الحديثة. وهى اللغة السامية الوحيدة التى قدِر لها أن تحافظ على كيانها وأن تصبح عالمية. وما كان ليتحقَّق لها ذلك لولا نزول القرآن الكريم بها إذ لا يمكن فَهْم ذلك الكتاب المبين الفَهْم الصحيح والدقيق وتذوُّق إعجازه اللغويّ إلا بقراءته بلغته العربية..

والحق أن نزول ( القرآن الكريم) بالعربية الفصحى أهمَ حَدَث فى مراحل تطوّرها.. فقد وحَد لهجاتها المختلفة فى لغة فصيحة واحدة، وأضاف إليها ألفاظًاً كثيرة وأعطى لألفاظٍ أخرى دلالات جديدة، كما ارتقى ببلاغة التراكيب العربية وكان سبباً فى نشأة علوم اللغة العربية كالنحو والصرف والأصوات وفقه اللغة والبلاغة، فضلاً عن العلوم الشرعية ثم إنه حقَّق للعربية سعة الانتشار والعالمية وصانها من الاضمحلال والزوال.. كما قلنا أولًا.

إذا كانت اللغة وسيلة المرء للتعبير عن مشاعره وعواطفه وأفكاره ووسيلته للتفاهم مع بنى جنسه والتواصل معهم، فإن لغتنا العربية، بالإضافة إلى ذلك كله، هى رمز لكياننا القومى والقلعة الحصينة للذود عن هويتنا وذاتيتنا الثقافية ووحدتنا المجتمعية وهى ذاكرة أمتنا.. ومستودع تراثها.. وسيذكر لنا التاريخ أن الأمم التى وحدت كلمتها وأقامت قوميتها وأظهرت كيانها وشخصيتها لجأت إلى اللغة كرافعة كبرى لهذا الهدف العظيم (الوحدة الألمانية نموذجا).. وأبناء العروبة تجمعهم.. (جوامع كبريات / أولهن سيّدةُ اللغاتِ...).

على أن هناك ثلاثة أخطار على (اللغة العربية): الأول المزاحمة الثقيلة (للغات الأجنبية)، والثانى هو خطر (العامية) والخطر الثالث هو خطر(اللحن والأغلاط اللغوية).

المدارس الأجنبية أصبحت منتشرة الآن بشكل كبير فى العالم العربى وبما يهدد أمننا القومى.. وهو أمر يحتاج إلى وقفة ضرورية واستراتيجية.. فالطفولة المبكرة هى المرحلة الذهبية لاكتساب اللغة بصورة عفوية وعميقة.. والإحساس العالى بالانتماء القومى، الذى تبدو اللغة أحد أهم تجلياته، يجىء فى مقدمة منظومة القيم لأى مجتمع.. وإذا ضعفَ هذا الانتماء وتحلل.. تبدأ رحلة الانهيار والاضمحلال.

ولعلى أشير هنا إلى الأهمية القصوى لدراسة الشعر وحفظه فلقد استوعب الشعر العربى كل خصائص( الأصل العربي) وأحاط بأكثر (المادة) اللغوية فى التعبير والبيان..وقد استعمل العرب فى أشعارهم ثروة لفظية هائلة فى هذا الفن الرفيع.

..............

تبدو اللغة العربية الآن (مكشوفة).. وعزلاء.. وغير قادرة على المواجهة فى أوطانها وبين أهلها.. وهو ما يجعلنا نشعر بالخطرالحقيقى... ونحن نراها واقعة بين الإهمال والهجر من جانب وبين المؤامرات عليها وسوء الفهم لخصائصها وإمكاناتها من جانب آخر.. فى ظل هيمنة ثقافية غربية عاتية تقوم عليها جهات تدأب ليل نهار فى نشر ثقافتها من خلال لغتها بجميع الوسائل والصور.

معظم دول العالم التى تعتز بقوميتها وهويتها أصدرت قانونًا يحمى لغتها الأم (روسيا وفرنسا وإيران والصين وغيرها..). وليس أقل من ذلك يتحتم علينا فعله.

ولنتذكرالتحذيرات المبكرة لحافظ إبراهيم رحمه الله:

أَيهجُرنِى قومِي- عفا الله عنهمُ إلى لغة لمْ تتّصلِ برواة

سَرَتْ لُوثَة الافْرَنجِ فيها كمَا سَرَى لُعابُ الأفاعى فى مَسيلِ فُراتِ

 

بقلم د.عبد المنعم أبو الفتوح 

نشرت فى جريدة المصرى اليوم بتاريخ 28-12-2014

آخر تعديل علىالثلاثاء, 30 كانون1/ديسمبر 2014 02:20

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.