Menu

رسائل مصر القوية (الرسالة السادسة) المواطنة

رسائل مصر القوية (الرسالة السادسة) المواطنة

هذه الرسائل ليست عملا فكريا  كاملا  بقدر ما هى مفاهيم  عامة  لكنها تحمل مضمونا واضحا ومحددا لرؤية مصر القوية  لقضايا معرفية واجتماعية وسياسية واقتصادية  ..اردت لها ان تكون مختصرة  وكثيفة  لتفتح مسارات الحركة للعقل فينطلق فيها فهما  وابداعا وعطاء وتجديدا لهذه القضايا وما تحمله من افكار مجردة..

د.عبد المنعم أبو الفتوح

 

(الرسالة السادسة) المواطنة

 

يبدو مفهوم المواطنة كأحد الموضوعات المفتوحة دائما على الجدل والنقاش المتجدد كونه جزء من (الأزمة السياسية الكبرى)التى يعيشها العالم الاسلامى منذ خروج الاستعمار وقيام الدولة القطرية.. تلك الأزمة التى تتمثل فى غياب مفاهيم التعددية السياسيةوالثقافيه..وتبادل السلطة..والمراقبة التشريعية وحق مساءلة الحاكم وعزله..و ينبغي هنا ان نشير إلى أن هذه الأزمة التى لا تتصل بمواقف واختيارات اصحاب الرؤيا الاسلاميه بقدر ما تتصل بأزمة الأمه كلها..وزادها تأزما الحكم العسكري الذى أسس لمفاهيم الشمولية والمركزية والتفرد بالقرار وحصار الجماهير فى متطلبات الحياة اليومية .

 

تعرف (المواطنة)بأنها :علاقة اجتماعية تقوم بين الفرد وبين الدولة ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول الولاء والانتماء ويتولى الطرف الثاني الامن والحمايه على كل المستويات الاقتصاديه والاجتماعية والاستراتيجيه.. واهم ما يميز هذه العلاقة هى المساواة التامه أمام (القانون) بين كافة المواظنين.

معروف ان مفهوم المواطنة من المفاهيم الحديثة التى صاحبت قيام (الدولة القومية) فى أوروبا خلال عمليات تاريخية واجتماعية وسياسية تم فيها الانتقال من) الحق الإلهي) للحاكم إلى حق المواطن ومن هيمنة الكهنوت إلى اداره الدولة. وكان ذلك تعبيراً عن رغبة قوية للتخلص من طغيان السلطة الدينية وتجاوزات الكنيسة الكاثوليكية الغربية ولذلك نجد أن أهم ما يميز الدولة القومية فى أوروبا هو مبدأ الفصل بين الدين والدولة ورفض تدخل المؤسسات الدينية في كل ماله صلة بالعلاقة بين المواطن والدولة .. وهو الأمر المناقض تماماً  للرؤيا  الاسلاميه تاريخيا وفكريا .. بل ان حضور المؤسسة الدينية فى العلاقة بين الفرد والسلطة كان دائما لصالح الفرد فى كبح جماح السلطة والحد من نفوذها وسطوتها..ناهيك عن خلو الإسلام من اى واسطة بين الإنسان والخالق سبحانه .

 

مفهوم المواطنة هو جزء من الفهم الشامل للدولة الحديثة وتكوينها الديمقراطي الذى يتسم بالحضور الكامل للفرد في الجماعة السياسية والمشاركة في تكوين القرارات والتشريعات والقوانين عبر آليات ووسائل متفق عليها.وترتيب لحقوق وواجبات متبادلة داخل إطار المواطنة بين الفرد والدولة.

 

لا شك أن الدولة والمجتمعات القائمة في حيز جغرافي واحد (الدولة القطرية) أصبحت اليوم  من حقائق الحياة فى  العصر الحديث. فالأوطان اليوم كيانات دستورية وقانونية والعلاقة بين أبناء الأوطان تدور على حقوق وواجبات المواطنة بصرف النظر عن الديانه والعرق.فاغلب الأوطان الآن تتسم بالتعدد العرقى والعقائدى إلا أن الرابطة التى تربط هؤلاء جميعا وتحتضنهم وتوفر لهم الحياة الكريمة هى رابطة المواطنة..... مجتمعات كثيرة أقامت أمنها واستقرارها السياسي والاجتماعي على قاعدة هذا النظام الذى نعتقد أنه من اصلح الانظمه حتى وقتنا هذا. وبه يمكن ان تنتظم العلاقة بين أفراد وجماعات بينهم مكونات إنسانية متعددة ويجمعهم الوطن الواحد وتربطهم رابطه المساواة التامة في الحقوق والواجبات.

وهذا هو ما نؤمن به ونعتقده وندعو إليه... ذلك ان المواطنة أصبحت جزء متصل بالواقع الدستوري والقانوني والسياسي  للأمة الإسلامية الموزعة في أوطان متعددة. لا يناقض هذا بأي حال من الأحوال الانتماء إلى الامه الاسلاميه ... حيث أن إصلاح الجزء مقدمة لإصلاح الكل كما يقال.

الإنسان في حياته ينتمي إلى دوائر متعدده تتكامل ولا تتناقض . والانتماء الوطني هو من أحد هذه الدوائر وليس هناك ثمة تعارض بينه وبين غيره من دوائر الانتماء... وهو ما شرحه الشيخ محمد أبو زهرة بقوله التوفيق بين الانتماءات من محبة الأسرة والعائلة ثم الجماعة الوطنية ثم الوطن ككل ثم جماعة الإسلامية ثم الجماعة الإنسانية ككل.. لا تلغي الدرجة العليا ما دونها ولكن المنهي عنه التعصب والطائفية التي تؤدي إلى الفرقة والانقسام وتحرض على الظلم . خاصة فى ظل الظروف السياسية والثقافية والاجتماعية التي تعيشها المجتمعات الإسلامية اليوم وهى ظروف حساسة وصعبة..كما أن المخاطر التي تواجهها مرتبطة بدرجه كبيره باستقرارها ووحدتها الداخلية وتماسكها الاجتماعي .لهذا فنحن أحوج ما نكون الان لكل الجهود التي تقوى من تماسكنا الداخلي واستقرارنا السياسي.

وتبقى قيم العدالة والمساواة والكرامة والتى هى حق إنساني أصيل.. يتصل بكون الانسان انسانا ولا يتوقف على معتقده  أو عرقه أو جنسة - وهذا هو ما نفهمه من الاسلام العظيم ... تبقى هذه القيم الركائز الاساسيه التى ينهض عليها مفهوم المواطنة كما ينبغي ان يكون. ولاعلاقه له باغلبيه او اقليه.. وفى غياب هذه الحقوق الاساسيه فان اى حديث حول(المواطنة)  لا معنى له ولا قيمه .

العدالة والمساواة والكرامة ليست مجرد شعارات فى الفراغ  ولكنها تتمثل فى مجموعه حقوق أساسيه باتت مثل الماء والهواء فى المجتمعات المتقدمة..وهى:-

1-الحق في الأمن الاقتصادى والاجتماعى والنفسى.

2-الحق فى العدالة والمثول أمام القاضي الطبيعى وسيادة القانون دون اى تخصيص اواستثناء

3-الحق في التعليم الأساسي دون اى اعتبار للمستوى الاجتماعى او المادي.والحق فى الوصول الى التعليم الجامعي العالي بغض النظر عن اى شيء الا القدرة التعليمية والذهنية

4-الحق في الرعاية الصحية  الكامله من خلال تأمين صحي عام وخاص تحت اشراف ورقابه الدولة من خلال نظام جودة ينص عليه القانون سواء كانت علاجية أو وقائية..

5-الحق فى الحصول على دخل كافي لحياة كريمة بحسب الخبرة والكفاءة والدرجة العلمية..

6-الحق في الاعتقاد وبناء دور العبادة وممارسة المعتقد والشعائر الدينية علناً .. فحرية الإعتقاد هي حق إنساني اصيل وأي حرمان من هذا الحق هو عدوان وبغى...

7-الحق في اختيار الحكام وتغييرهم سلميا ودوريا واختيار النواب في مجلس رقابي وتشريعي يراقب السلطة التنفيذية ويسقطها اذا فشلت في أداء واجبتها

8-الحق فى تولى الوظائف العامة  وفق معيار الكفاءة أو اختيار الشعب..

كل هذه الحقوق مكتملة غير منقوصة تتحقق بها المواطنة كما نفهمها فى اسلامنا العظيم . وهو ما ينبغى أن تركز عليه كل القوى الاجتماعية والسياسية ولا يجب قصر مفهوم المواطنة على تطبيقاته فى مجال الديانة والاعتقاد فقط رغم اهميته.

هذه الحقوق الاساسيه للمواطنة تحتاج بالأساس الى اراده شعبيه قويه تفرض على الحاكم ما تراه من صميم حقوقها.. كما تحتاج إلى نخبة سياسية وفكرية  قادرة على التضحية من اجل تأكيد هذه الحقوق وتحويلها إلى حق أصيل لا يمس تحت اى دعاوى او ادعاءات.. نخبه تتصل بالناس وضروراتهم اكثر مما تتصل بالسلطه وضروراتها.. وما ابعد الفارق بين الحالتين.

 

من المهم  فى هذا السياق ان نتحدث عن وضع غير المسلمين فى المجتمع المسلم الذى يتمتع افراده بالمواطنه الكامله. وان نجلى الرؤيه الاسلاميه الصحيحه _ كما نراها لهذا الجانب من جوانب تحققها على الوجه الأتم .

 

ينص القرآن الكريم على حرية المشيئة والإرادة في اختيارات الإنسان لموقفه من مسألة الإيمان والكفر:  ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وتوضح النصوص القرانية بوضوح كامل أنه: (لا إكراه في الدين) وأنه (ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض جميعاً ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [يونس: 99]. وتذكر الآيات الكريمة عن التواصل الاجتماعي الطبيعي بين المسلمين وغير المسلمين- الكتابيين - في المجتمع الواحد..(وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم..) وكذلك الزواج والمعاملات الكاملة في سياق الحياة الطبيعية.

والإسلام يرفض المزايدة التى تخل بأوامره وأحكامه.وبالتالي فإن رؤية الاسلاميين تنتسب إلى الإسلام ومصادره وهى كتاب الله تعالى والسنة الصحيحة.

لقد سبق ان اوضحنا فى كثير من المناسبات أن أقباط مصر جزء أصيل من المجتمع المصري، وهم شركاء الوطن والمصير مكفولة لهم كل الحرية في الاعتقاد والعبادة ، وأن من صميم أهدافهم الحرص على روح الاخوة التى ظلت تربط على مدى القرون بين أبناء مصر أجمعين مسلمين ومسيحيين لتمكين الأمة من العمل المتكامل لبناء مستقبلها وحمايتها من كل أشكال الفرقة.

ويفهم من هذا الكلام الواضح أن المواطنة هى مدارالحقوق والواجبات في المجتمع المصري واستبعاد مفهوم أهل الذمة تماماً وأن استعماله في المصادر الشرعية هو توصيف وليس تعريف.

وفى دراسة موجزه أصدرتها تحت عنوان (المفهوم الاسلامى للاصلاح الشامل) ذكرت أن المواطنة في الدولة المدنية التى ينشدها تيار الإسلام الإصلاحي هي أساس الوجود في المجتمع داخل إطار ديمقراطى وكل من رضى بهذا الإطار يكون على قدم المساواة مع الآخرين بكل اتجاهاتهم الفكرية والسياسية ..وأن المساواة السياسية والقانونية الكاملة بين كل فئات المجتمع وطوائفه هى أساس الوجود في المجتمع مع وضع كل الضمانات لحماية هذه المساواة من أي انحراف سياسي أو مذهبي.

 

أمانة الثقافة والفكر

 

آخر تعديل علىالجمعة, 18 نيسان/أبريل 2014 01:50

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.