Menu

رسائل مصر القوية (الرسالة الخامسة) الشرق والغرب

رسائل مصر القوية (الرسالة الخامسة) الشرق والغرب

هذه الرسائل ليست عملا فكريا  كاملا  بقدر ما هى مفاهيم  عامة  لكنها تحمل مضمونا واضحا ومحددا لرؤية مصر القوية  لقضايا معرفية واجتماعية وسياسية واقتصادية  ..اردت لها ان تكون مختصرة  وكثيفة  لتفتح مسارات الحركة للعقل فينطلق فيها فهما  وابداعا وعطاء وتجديدا لهذه القضايا وما تحمله من افكار مجردة..

د.عبد المنعم أبو الفتوح

(الرسالة الخامسة) الشرق والغرب

دعونا نتفق أن عملية التأثير والتأثر بين الحضارات والمجتمعات عملية واقعية لا مجال لإنكارها، والفكر الإنساني بطبيعته المتراكمة وتركيبه البديع يسير وفق التاريخ، ومن خلاله لا رغمًا عنه  وقد حمل هذا الفكر وقدمه مفكرون ومجتهدون من سائر الأمم والأعراق، ولذلك ليس هناك حضارة بدأت من الصفر بل تنشأ وتؤسس على ما أنجزه من قبلها وطوره من بعدها ..وأركز فى هذا المعنى  على عدد من النقاط:

أولا: لا شك أن هناك فوارق ثقافية لا بد لنا من الإقرار بها واحترامها تقديرا للتعددية والتنوع كسنة كونية.. مثل الشمس والقمر والليل والنهار، فالحياة أساسها التعدد والتنوع، يقول القرآن الكريم: {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين}، واختلاف الألسنة يعني تعدد القوميات، واختلاف الألوان يعني تعدد الأعراق والأجناس البشرية، هذه التعددية الثقافية والفكرية على ما فيها من تنوع واختلاف إنما هي مكسب كبير للبشرية يجب أن يستثمر في تقدمها وتطورها وثرائها. .

ثانيا: مهما اختلفت الحضارات والثقافات وتباينت القيم فإن هناك أصولا إنسانية مشتركة يتوافق عليها كل البشر، مثل العدل والصدق والشرف والأمانة وهى قيم موجودة بعمق في الضمير الإنساني.

ثالثا : بما أن الإنسان هو محور الحياة على هذه الأرض وهو الذي صنع الحضارة بالتعاون والمشاركة مع آخر وآخرعبر الأزمان والقرون.. فإن الحوار بين الحضارات والثقافات المتعددة يجب أن ينظر إليه على أنه الحالة الطبيعية بين بني الإنسان، ومن يتصور أنه يملك النموذج الأوحد المثالي الذي يجب فرضه على الناس كلهم فهو مخطئ

رابعا: االشرق الاسلامى ليس كله سواء والغرب ليس كله سواء، لذلك فإن منطق التعميم دون دراية وفهم لحقائق الواقع لهو منطق مخطئ وخطير أيضا

بنظرة سريعة على التاريخ في فجره الأول والتفاعلات التي تمت عبر قرونه الطويلة، نجد أن المواجهة بين الشرق والغرب منذ فجر التاريخ الإنساني المدون، الذي تتنازعه اليوم أراضي الرافدين وشواطئ البحر المتوسط؛ حيث ستدور هناك أكثر حوادث التاريخ حيوية

لم تسجل مواجهة حقيقية بين الشرق والغرب حتى القرن الرابع قبل الميلاد، إنما بدأت المواجهة بين الشرق والغرب مع خروج الإسكندر الأكبر من البلقان صوب الشرق، ليحطم ما واجهه من الممالك، ويبلغ في النهاية إمبراطورية الصين، حيث لم يعد ثمة شيء بعدها يمكن أن يباهي بإسقاطه، وحين عاد الإسكندر إلى أثينا ليبتهج بنصره، أدرك أنه ليس إلا دورة واحدة من دورات الحياة، وأن تبدل المقادير ماض إلى غاية لا يمكن أن تتوقف عند طموح الإسكندر.

لم يطل المشهد حتى انبعثت شعوب آسيا الراقدة تضرب في جيوش الإسكندر كل وجه، وتحيل لهيبهم إلى رماد، بعد أقل من قرن يضرب (هانيبال) القرطاجنى _تونس_  بسياطه الموجعة في قلب الحواضر الأوربية، ويسجل غضب الجنوب على الشمال، وتثأر قرطاجنة للإسكندرية ويشتعل المتوسط بنار الكراهية من جديد..

في غمرة هذا الصراع كان هناك مشروع آخر يتم إعداده في روما الإيطالية التي تتدلى في قلب البحر المتوسط في إرادة جادة للمواجهة، تحت عنوان( الإمبراطورية الرومانية) والتي ستصبح المقدسة فيما بعد، وتنطلق الأطماع الرومانية من جديويلتب حوض المتوسط في القرن الأول قبل الميلاد، ويمضي المشروع الروماني إلى أم الدنيا مصر، ليرسم ملامح وجود جديد على طول شواطئ المتوسط ليصبح بحيرة رومانية، ثم يجتاح بلاد الشام ويصل إلى مواجهة مباشرة مع الحضارة الفارسية، حيث سيبدأ صراع ساخن سيستمر سبعة قرون..

مع وصول الفتح الإسلامي إلى بلاد الشام في القرن السابع  الميلادى كان الشرق يستعيد عافيته ليقوم بالمواجهة مع الغرب وعندما رحل القيصر من أرض الشام كان يعلم تماما أنه يرحل رحيلا لا عودة منه، وأن فصلا جديدا من تاريخ العالم يكتبه هذا الفتح الإسلامي.

تمضي قرون خمسة تبوء خلالها محاولات الغرب في اختراق آسيا بالفشل عند مضيق الدردنبل، حتى تنفجر أوروبا بالأطماع الصليبية عندما يمضي (بطرس الناسك )في القرن الحادي عشر برسالة (أوربان الثاني) ليحشد أوروبا في جحافل الحملات المشهورة تحت عنوان (الحروب الصليبية) وتنشأ مواجهة أخرى بين الشرق والغرب استمرت مائتي عام ركز فيها الغرب راياته على إمارات كثيرة في الشرق من الرها إلى دمياط، ولكن الشرق انتفض مرة أخرى.

استأنفت أوروبا تاريخ الصراع عندما تفجرت الثورة الملاحية من الجزيرة الأيبيرية وجرفت في طريقها الأندلس لتمتد شريطًا ساحليًّا يطوق العالم الإسلامي ويتبعها عن قريب وصول فرنسا إلى سواحل مصر أيام نابليون الذي افتتح الحقبة الاستعمارية الجديدة في الشرق العربي.

وفي القرن التاسع عشر تتوثب الجيوش الأوروبية لاقتسام ما تبقى من العالم الإسلامي المريض في حركة استعمارية لا تتوقف ...حتى تسقط  بلدان الشرق ..واحدة فواحدة

مرة أخرى يقول الشرق كلمته عندما تنبعث حركات التحرر، وتتمكن من تحقيق استقلاله ولكن في خريطة جديدة هذه المرة، لا يظهر فيها شرق متحد، ولكنه يختزن آمال الوحدة والجماعة..

يشهد القرن العشرون حربين عالميتين تنجليان عن رسم صورة جديدة للعالم تؤكد كل يوم أن حل المنازعات عن طريق الحروب أصبح محرما دوليا، وأن على الشعوب أن تتعود الجلوس إلى موائد المفاوضات لتحقيق أمانيها دون اللجوء إلى القوة

هذه إطلالة سريعة على التاريخ  والحاضر ينحدر من الماضى كما ان المستقبل يتشكل من الحاضر ..

كيف سيكون مشهد العلاقة بين الشرق والغرب؟ هل ستستمر الحدود الدموية التي رسمتها الأطماع التاريخية بين شطري العالم؟ أم سينصت الإنسان لصوت العقل ويدرك أن عصر الحروب المعمد بالدم ينبغي أن ينتهي ويحل محله عصر الحوار والتفاهم؟

هل تعلم الإنسان من الماضي أن منطق الصدام الحضاري معناه استمرار الحياة في الجنون، عبر جدلية البناء والتدمير العابثة الخائنة؟ وأن لغة القوة مهما كانت صارخة وقاهرة هي منطق مترنح في النهاية وأن دورة التاريخ لن تتوقف  نعلم يقينا من القرآن الكريم أن التاريخ دورات متتابعة.. (وتلك الأيام نداولها بين الناس والعاقبة للمتقين)

من المؤسف أن نوعية الحياة في الغرب  خاصة فى تطورها الاخير ..ارتبطت أساليبها بقسوة النظام الإنتاجي الرأسمالي، وضرورة ضمان أسواق له في شتى بقاع العالم، وابتداع نظام الشركات متعددة الجنسية وحمايتها بكل السبل.

يتوازى ذلك مع سوء الحكم وتعثر التنمية في كثير من دول الشرق وهو ما ساعد على  تعقيد العلاقات بدرجة ما فقد نشأ خلل كبير في توازنات القوى، مما سهل على الغرب الأقوى التلاعب والهيمنة والمعاملة فادحة الظلم للشرق الأضعف، كما أن الفجوة التنموية الهائلة تغذي أيضا مشاعر التحامل والازدراء والضغوط والصراعات التي تفسد العلاقات بينالجانبين ..والتى ستأخذ فى التزايد خاصة بعد تغير الخريطة السياسيه فى عدد غير فليل من دول الشرق .,ومصر على راسها بطبيعة الحال .

لقد فشلت_تقريبا_  كل مشاريع التنمية في الشرق بعد الاستقلال ..وحتى نماذج الشرق الاقصى الناجحه مثل ماليزيا واندونيسيا لم تسلم من العراقيل والعقبات_ وفي مقابل ذلك نجحت بشكل مذهل فى الغرب وأدت الى مانراه الان من تطوير صرح البناء الحضاري الغربي، واشتدت حدة المواجهة الحضارية بين الغرب والشرق في محاولة من الغرب للضغط على الشرق  وإخضاعه لمنطق القوة، وبدأ الحديث عن عدم جدوى (الممانعة الحضارية) وضرورة الاندماج في مشاريع إلحاق  وتبعية غربية لأجل تحقيق التنمية المنشودة، وهكذا عادت جدلية العلاقة بين التنمية والبعد الحضاري والقيمي والإنساني لترسم من جديد مدى التشابك والتداخل الحاصل بين البعدين..لكنى ارى تطور حركة الافكار فى الغرب يسير فى الاتجاه  الاقرب للتفهم .

ويمكننا أن نقول: إن خيار (الممانعة الحضارية) يبقى خيارا مشروعا وضروريا  لا يحتاج إلى تأسيس بياني من داخل المدرسة الشرقية ..لأن رفض الهيمنة والسيطرة خيار إنساني فطري ووجداني لا يحتاج إلى كثير من العناء في سبيل تأصيله كخيار ..فالمحدد الأساسي في هذا الاختيار الحضاري الممانع إنما تفرضه طبيعة الأشياء وظروفها الموضوعية ومتى خضعت هذه الظروف لعملية تبدل وتغيير فإنها حتما ستؤثر على طبيعة الخيار الحضاري الذاتي وقد يتحول الموقف من حالة ممانعة شاملة إلى ممانعة جزئية، أو إلى حالة طبيعية من الحوار والتفاعل الحضاري الذي لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة الحوار والثقة المتبادلة واحترام الآخر واستقلاله وسيادته، وهو ما سيحدث ان شاء الله  ..

ولعل فى سابق التاريخ ما يملؤنا املا فى ذلك ..

هل لنا أن نتذكر أنه على إثر حقبة من المجابهة العسكرية بين العالم الإسلامي والدولة البيزنطية، وريثة الحضارة اليونانية القديمة، بدأت مرحلة من التفاعل الثقافي لا مثيل لها في التاريخ أدت في أواسط القرن التاسع إلى ترجمة التراث اليوناني العلمي والفلسفي والطبي برمته تقريبا إلى العربية وتواصل هذا التفاعل طيلة ما لا يقل عن ثلاثة قرون كانت أوروبا قد تناست التراث اليوناني خلالها بينما انتقلت الوصاية على هذا التراث العريق إلى العالم العربي.

وهكذا يتحرك مركز الثقل عبر التاريخ وعبر الجغرافيا ايضا ..

اتصور انه يتوجب على الغرب اليوم مواصلة النشاطات الفكرية الهادفة إلى فهم الشرق على حقيقته ومواصلة الجهود التي بذلها المستشرقون منذ مطلع العصور الحديثة التي عرّفت العالم الغربي إلى حد بعيد بكنوز الشرق و الحضارة الإسلامية..

واخص بالذكر المستشرقون المتجردون للحقيقة والموضوعية امثال ..

ناماري شميل وتوماس  كارلايل وسيجريد هونكه ولا مارتين وجرمانوس  موريس بوكاى .

ليس في صالح أحد ان تكون هناك حالة من التحفز والريبة ..وسنرى فى نهاية الامر ان  الشرق لم يقهر الغرب فى عصر الفتوحات.. والغرب لن يقهر الشرق ...وليس بينهما من سبيل سوى التعايش والحوار وإيجاد المناخ الثقافي لقبول الآخر على اننا يجب ان نخلص الى حقيقة تاريخيه ..وهى ان الصراع بين الشرق  والغرب لا يتمثل بين الإسلام والمسيحية، وإنما الصدام هو مع الفكر الاستعماري الاستعلائي والهيمنة  بمختلف  اشكال ظهوره ..

لا شك أن الشرق يشكل بالنسبة للغرب نوعا ما من أنواع التحدي بمنظومته القيمية التي استعصت على الاحتواء على مدى قرون من التدافع والصراع؛ فرؤيته للكون والإنسان وما وراء الكون وما وراء الطبيعة ومنظوماته القيمية والتشريعية تتسم بتماسك وقوة تجعلها العقبة الأكبر في سبيل انتصار النموذج الغربي انتصارًا حاسمًا ليتحقق الحلم الغربي عند البعض بوصول التاريخ الإنساني إلى نهايته. وانتهاء القصة الى  قهر العالم الإسلامي ثقافيا ومعرفيا و اعترافه بقبول دور التابع الدائر في فلك المركزية الغربية..لن يحدث ذلك ولن يكون .

كما ان أن هناك مسئولية دينية وأخلاقية وإنسانية على الشرق  في تصحيح صورته في الغرب والمشاركة بايجابية اكثر فى التعاون الإنساني المبني على أرضية اقتصادية سياسية فكرية مشتركة، وإيجاد أرضية ثقافية مبنية على القيم والمبادئ الإنسانية السامية .. التي يجب أن يقوم عليها التعارف والتعاون بديلا عن التنازع والتنافر والعداء.

إن مراحل التعايش التي عرفتها الشعوب المختلفة في كل العصور الذهبية للانسانية والتي أدت إلى تشكيل حضارة إنسانية متناغمة ساهم في إبداعها الإنسان -مسلما ومسيحيا ويهوديا- ليست بعيدة عن التحقق وليست بعيده المنال ....

ليس لدى الشرق عقدة من الغرب  وليس صحيحا أن الشرق ضد الغرب، بل هو ضد كثير من السياسات الغربية، وهذا لا يعني العداء، بل يعني الاختلاف والتباين والتعدد وهو الثراء والغنى للانسانية  فى رحلة البشر عبر القرون

...

لنتذكر دائما  الآية الكريمة التي تحضنا حضا قويا على ثقافة التواصل والانفتاح على الاخر(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفو)ا

أمانة الثقافة والفكر - مصر القوية

 

 

آخر تعديل علىالجمعة, 18 نيسان/أبريل 2014 01:49

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.