Menu

ركائز الاستقرار المطلوب فى الشرق الاوسط وشمال افريقيا علامات حول مقدمات ضرورية : بقلم د.عبد المنعم أبو الفتوح

ركائز الاستقرار المطلوب فى الشرق الاوسط وشمال افريقيا علامات حول مقدمات ضرورية : بقلم د.عبد المنعم أبو الفتوح

كان طبيعيا بعد انتهاء الحرب الباردة ان تتحرك خرائط سياسية كثيرة ارتبطت باطراف هذه الحرب راينا ذلك واضحا فى اوروبا الشرقية والتى كان انهيار سور برلين احد اهم علاماتها .. 

..  كثيرون توقعوا ان يمتد ما حدث فى اوروبا الشرقية الى الشرق الاوسط وشمال افريقيا ..وبالفعل حدث ما يشبه ذلك فى احد اهم بلدان الشمال الافريقى (الجزائر) لكن النتائج كانت مختلفه عن ما حدث فى اوروبا الشرقية ..على الرغم من تشابه المقدمات(استبداد –فقر –فساد...) ..النتائج لم تكن مختلفة فقط ولكنها كانت دامية ايضا واسفر الامر كله عن مايقارب الـ (200000) قتيل. كانت تجربة الجزائر نذيرا واضحا بان اى محاولة للحديث الفعلى عن الديمقراطية والحريات وتناوب السلطة .. ستنتهى الى مجازر وعنف وفوضى  بشراسة بالغة ..طرفين مهمين ظهر دورهما بوضوح فى هذه التجربة الشرق اوسطية .الطرف الاول(داخلى) المؤسسة العسكرية .. والطرف الثانى (خارجى) الغرب الاوروبى خاصة فرنسا التى تربطها بهذه المنطقة علاقات قديمة وأليمة .

كان مؤتمر هلسنكى 1975 قد انتهى فى احد مقرراته الى ان امن اوروبا مرتبط بدرجة كبير بامن الشرق الاوسط ..وهذا الكلام ليس صحيحيا فقط ولكنه تاريخى وعميق الجذور فى فهم اى موضوع داخل هذه المنطقة  ..فبعد انتهاء الحربين العالمية الاولى 1918م والثانية1945م ..دخلت المنطقة (الشرق الاوسط وشمال افريقيا)فى ترتيبات متنوعة اهمها رسم الحدود الجغرافية بين بلدان المنطقة ..بعد تفكيك الكيان العثمانى ..

يقال انه ما من بلد الا وله مع البلد المجاور له نزاع حدودى ..(ترتيبات رسم الحدود بدأت نظريا عام 1916 بين الديبلوماسى البريطانى مارك سايكس والفرنسى فرانسوا بيكو) ولعل الحرب العراقية الايرانية التى استمرت(1980-1988م)كانت حرب حدودية ..ثم الغزو العراقى للكويت (الذى كان نتيجة لخلاف حدودى قديم وايضا نتيجة سياسية لحرب الثمانى سنوات) وما ترتب على كل ذلك من الغزو الامريكى للعراق وهدم الدولة وترتيب استحقاقات طائفية متجاوزة لفكرة(المواطنة) ....كل ذلك نموذج شديد الوضوح على دور النزاعات الحدودية فى اغراق المنطقة بالنزاعات والحروب التى لا تنقطع..

ليس هذا فقط بل وترتيب المكونات العرقية والمذهبية على نحو يجعلها قابلة للنزاع الدائم والاشتعال المتجدد وابرز نموذج لذلك هو المشكلة (الكردية) والتى تم توزيعها على اربع دول (تركيا وسوريا والعراق وايران)بطريقة غير انسانية . ناهيك عن الخلاف  التاريخى بين الشيعة والسنة ..

واذ تمت تلك الترتيبات الحدودية  الى ما انتهت اليه  فقد برز دور اكبر (للجيوش العربية) فى مرحلة ما بعد الاحتلال ..على ما يتميز به الحكم  العسكرى او شبه العسكرى من ميل الى (الغاء) السياسة والتعامل مع فكرة السلطة/والحكم من خارج مربع الديمقراطية والمشاركة السياسية . وغلق افق التعدد والتنوع على (صفوة مغلقة) تتناوب بينها دوائر المصالح والتفاهم ...وهو ما رأيناه فى اكثر من بلد عربى .

اضيفت الى ذلك المسألة الفلسطينية  بتشريد الشعب الفلسطينى واحلال وتوطين الجماعات اليهودية فى وطنه ..وهو ما اضاف بعدا اكثر تعقيدا لعموم المنطقة ..سواء بالحروب العربية الاربعة وما اسفرت عنه من أزمات معقدة على كافة المستويات ... ناهيك عن المعنى الانسانى والاخلاقى لوجود شعب شريد تتوزعه المنطقة كلها ..

وعلى رغم بروز مشكلات عديدة فى المنطقة العربية الا ان مشكلة الشعب الفلسطينى وحرمانه من دولة ووطن ستظل هى المشكلة التى تتفرع منها كل المشكلات ... وقد سمعنا على نحو غير صحيح ان الاضطرابات الاخيرة بالمنطقة تشير الى عكس ذلك وهو ما صرح به بعض المسؤولين الغربيين وهو غير صحيح ...فالمقارنة يجب ان تكون بين مايقبل المقارنة (كما يقول الفيلسوف) ..فالمشكلات المحلية وحتى الاقليمية مؤقته وعارضة ..اما مشكلة شعب طريد بلا دولة ووطن فليست مشكلة  مؤقته ولا عارضة ..بل اصيلة  و فى صلب كل المشكلات .

على الخلفية السابقة اود الاشارة الى :

*تظل المشكلة السورية ذات طابع خاص بما يميزها من سيطرة طائفة/عائلة على الحكم من اواخر الستينيات فيما يتم عمل قمع ممنهج واقصاء منظم للاغلبية .وهو ما جعل النظام يسارع الى اضفاء طابع عنيف ومسلح على البدايات الاولى لتظاهرات الحرية والكرامة التى كانت قد بدأت فى مصر وتونس واليمن .. وتواجه ما يبدو أنه نزاع مسلح بلا نهاية.. الامر الذى فتح تطورات المشهد كله على اسوأ التوقعات كما أنه مد ساحة المعركة إلى لبنان.. سقوط النظام كان سيؤدي إلى التراجع في وضع الثورة المسلّحة وتغيير ميزانها الداخلي  وكان سيسبق الصعود الحاسم لتنظيم (الدولة الإسلامية) اضافة الى ان النجاح في سورية كان سيشكل قاعدة صلبة للجهود المشتركة في أنحاء أخرى من المنطقة بما فيها العراق.

 وعلى الرغم من ان  المصالحة المجتمعية وإعادة البناء الوطني على قسمة صحيحة صعبة وبطيئة للغاية و بصورة مؤلمة جدا ..الا انه  من المستبعد أن ينتهي الصراع السوري إلى تقسيم (رسمي) للبلاد...يقول الخبراء فى _مفارقة واضحة_ انه اذاكان اهل الموصل من  السنة يتطلعون دائما إلى اهل حلب السنة  في سورية مع سكان جنوب شرق تركيا _السنىين_ بالطبع  في علاقات (اجتماعية وثقافية واقتصادية) قديمة وتاريخية فإن أهل حلب لم يروا أنفسهم قط إلا في إطار الدولة السورية الموحدة..

*النزوع الطائفى الذى كرسه الاحتلال الأمريكى للعراق والمسارعة الى هدم الدولة (على العكس مما حدث حين احتل اليابان ابقى الامبراطور وجهاز الدولة)..اضافة الى المقايضات الاقليمية  البالغة السوء ..واتساع مدى الحركة والتأثير (لتنظيم الدولة) الذى يتحرك بسهولة بالغة فى محيط اقليمى معقد بما يثير الكثير من الاسئلة حول فهم طبيعة ما يجرى .

اتصور ان  الحدود الداخلية بين المناطق و الجماعات المذهبية وفقا لذلك قد يعاد تخطيطهاو رسمها و لكن ليس حدودها الخارجية لأن أى ترتيبات سياسية تتجاهل الحقائق الاجتماعية والاقتصادية  للواقع القائم ستولد خاطئة ولن تدوم

* المشكلة الليبية  كانت تحمل عوامل تفجرها منذ عقود بسبب غياب الدولة  والجيش وتوزع الميليشيات على القبائل طوال حكم العقيد القذافى واستعاضته عن الدولة المركزية باللجان الشعبية التى كانت تقدم مشهدا هزليا للمشاركة فى الحكم ..وكان هناك حرص واضح على ابقاء الحالة القبلية على تكونها القديم والعمل على تسلحها ضمن ولاءات متشعبة مع السلطة ..ايضا كان منع التيارات السياسية الاسلامية من التمثيل والمشاركة بل وقمعها بابا كبيرا لولوج الفكر المتطرف المصحوب بالعنف ..سنرى (الدين) حاضرا دائما فى توصيف كل المشاهد فى كل بلدان المنطقة . ليبيا الأن تقترب من الحرب الأهلية وتواجه خطر التقسيم.

*تبقى المشكلة اليمنية نموذجا كاملا فهى تحوى الطائفية والقبلية والاستبداد و الفساد والتدخل الخارجى والتطرف ..وكان النظام السابق حريص على ابقاء كل هذه المكونات حاضرة دائما  على (طاولة المستقبل) بما يجعل فكرة (الدولة )و(المواطنة) و(التعددية السياسية) و(تناوب السلطة) تبدو وكانها اشباح بعيدة.

*  مصر لا تواجه خطر الحرب الأهلية أو التقسيم ولكنها تسير على درب الكارثة الاجتماعية... فمشكلات مصر الاقتصادية الأساسية وتوعكها السياسي العميق ... ينذر بوقوع انفجار اجتماعي ضخم ..والذى اذا حدث  فسيكون مكلفاً للغاية وربما يستعصى على الاحتواء.ولا بديل عن احداث مقاربات كاملة مع كل التيارات السياسية  والاخص منها الاسلامية اذ ان التمادى فى القمع الامنى و القتل (المخطط له) للمتظاهرين كما أسمته  احدى المنظمات..مع تفاقم مشكلات الفقر وتدنى الخدمات وسوء الادارة واتساع رقعة الشباب الغاضب كل ذلك ينذر بالأسوأ الذى قد يصعب التنبأ بأى أفق لمداه ومحيطه .

 *القتل والدمار الكبيران اللذان ألحقتهما إسرائيل بالمدنيين في قطاع غزة خلال هجومها الاخير والعمل على الاستفاده من الظروف الاقليمية الحالية على اوسع نطاق والامعان والمضى فى تأكيد (يهودية) الدولة..كل ذلك يشير الى غياب اى رغبة او ارادة حقيقة لتحقيق سلام على قاعدة صلبة ..سواء قامت هذه القاعدة  على (علمانية) الدولة الواحدة لكل شعبها او على حل الدولتين ذات السيادة .لن ترى هذه المنطقة من العالم استقرار استراتيجيا مستقرا الا بحل مشكلة الشعب الفلسطينى .

*الدولة الحديثة فى المنطقة  العربية الان تختلف بدرجة كبيرة عن سنوات تكوينها الاولى فقد باتت متسلحة بالأجهزة البيروقراطية والأمنية المضخمة والبالغة الشراسة..وبعقود من الخبرة  الطويلة فى مراقبة المواطنين وقمعهم وحماية (ذاتها) بل وتوالد مكوناتها..(الدولة الحديثة)الأن أقل قبولا للضغوط التي  يمكن أن تمارس من أجل إحداث تغيير سياسي جذرى وأقل استعدادا بل وقدرة على إدراج الإصلاحات التي تتيح التحسينات الضرورية على المستوى الاجتماعى والاقتصادى والتعليمى .. لم تكن الهوة بين الأثرياء والفقراء شاسعة كما هي الآن.. وان لم تتحقق داخل هذه الدولة تفاعلات ايجابية واصلاحية واسعة وتنشأ حولها كيانات وتنظيمات مجتمعية  صلبة وقادرة سيؤدى ذلك الى أزمات بنيوية عميقة تهدد التماسك الاجتماعي كله بل وتزعزع المكونات الصلبة فية .ايضا عدم توافر الخدمات العامة الحيوية والاساسية مثل الصحة والتعليم والمواصلات وغيرها من أشكال الرعاية الاجتماعية وشبكات الأمان مع السيرنحو أشكال مشوهة بل وفاسدة من( التحرير) الاقتصادي ..ومن الاسف والحسرة انها لا تصاحبها عملية (تحرير) سياسي موازية قد تساعد على توفير حلول... كما أن السير (المريب ) فى عمليات الخصخصة الجشعة التي تمت في السنوات العشر التي سبقت بداية الربيع العربي أدت الى اتساع الفوارق الطبقية إلى مستويات غير مسبوقة ما جعل نسبة 20-40 في المئة من السكان في العديد من البلدان العربية عند أو تحت خط الفقر.

 

ترجمة لمقال نشر فى ألاهرام ويكلى بتاريخ  30 أكتوبر 2014

رابط المقال فى الاهرام ويكلى 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.