Menu

الشخصية المصرية.. ووصية احتجاج ضد الهبوط العام

الشخصية المصرية.. ووصية احتجاج ضد الهبوط العام

بالفعل علينا أن نكافح ضد هدم وتحطيم أكثر آمالنا وأحلامنا وأهدافنا نبلاً وسمواً.. وهذا الكفاح معناه أن تلك الآمال والأهداف مازالت قادرة على أن تولد فينا من جديد.. أن نواجه قهر (الشخصية المصرية) كلها بالوسائل الباقية لنا.. بعد أن حاولنا بكل الوسائل الأخرى.

أن نغرس فى الأرواح عميقاً وبقوة أن (الشخصية المصرية) جديرة بالعيش الكريم والحرية والعدل الكامل، وهو ما لن يكون إلا بفضل (الوطنية) الحقة المبنية على حقيقة الإيمان بالله سبحانه إيماناً ينفى نفسية (الخوف) وكل ما يترتب عليها من سوءات.فكما أن لمصر (شخصية) متفردة، حدثنا عنها د. جمال حمدان، رحمه الله، وقدم لنا خصائصها فى (شخصية مصر)، وبيّن لنا كيف تمثلت عبقرية المكان (الموقع والموضع)، وكيف أن الشخصية شىء أكبر من مجرد خصائص وصفات، وأنها حالة من التفرد والتميز التى تنفذ إلى روح المكان لتستشف عبقريته الخاصة التى تحدد ملامحه وسماته.

كانت رؤية جمال حمدان للعلاقة بين الإنسان والطبيعة فى المكان والزمان متوازنة للعلاقة بين المصرى وأهم مكونات وجوده واستمراره (النيل)... وكيف أفضت هذه العلاقة إلى صياغة الحضارة المصرية على الوجهين: المادى والروحى.. وقد حدثتنا الدكتورة نعمات أحمد فؤاد كثيرا عن حديث المصرى عن (المئذنة والبحر).. خلاصته الأمان الكامن فى (الشخصية) المصرية.. وهما إذا تعرضا للخطر فالأمر مختلف تماما، عدا ذلك يمكن التفاهم والتعايش.. وهى تقصد بالمئذنة (الدين) كون الأغلبية العددية مسلمين، وتقصد بالبحر (النيل).

الآن نعيش حالة اهتزاز وقلق فيما يتعلق بالاثنين..!! الدين وفهمه ومحيطه، والنيل وأمنه وتدفقه.!!

الدين جزء لا يتجزأ من طبيعة الشعب المصرى، فى تسامح يندر أن يكون له نظير فى العالم. وهو عند المصريين شديد العمق والتجذر، وهذا أمر لا تخطئه العين فى التاريخ المصرى القديم والوسيط والحديث. وارتبط بتاريخ مصر فى كل مراحلها وتطورها.. والبعض يُرجع تكوّن (الدولة المركزية) إلى الحالة الدينية فى المجتمع، وما نتج عن ذلك من فكرة المؤسسات والاستمرار والاستقرار.. فأصبح عندنا مجتمع محكوم من مؤسسات سياسية وإدارية وقضائية ودينية..

ولتوسيع المعنى فيما يتصل بـ (الشخصية المصرية).. سأذكر عدة نقاط:

■ الشخصية المصرية بطبعها بسيطة وعاطفية إلى أبعد الحدود، ومصر لدى المصريين (هى الكون كله)، كل الشعوب تعتز بأوطانها، لكن المصرى بشكل عام له خصوصية شديدة.. يقولون إنه يحمل (الشمس بين ضلوعه والنيل فى عينيه).. وهو يفخر بذلك دون مبالغة، ورغم كل (المنغصات) يتمسك بهذه العاطفة وهذا الوجدان تجاه وطنه فى كل وقت ومهما كابد وعانى...

■ الشخصية المصرية بطبيعة تكوينها مليئة (بالطموح).. يسعى المصرى ويجتهد ويبتكر وينفعل لكنه أحيانا يصاب بنوع من (البلادة) نتيجة الإحباط المستمر والفشل المتكرر.. وهو شديد التفاعل مع محيطه ويشارك فيه. محب للفنون، متذوق لها، حساس، يطلق خياله بلا قيود..

■ الشخصية المصرية نادرا تتمرد.. لكن المصرى قد يضحى بكل شىء - فجأة - إذا مُست كرامته.. (لاحظ مشروع التوريث.. وما حمله من إهانة وكيف كان الشرارة الكامنة لثورة يناير).

■ لقد تميزت الشخصية المصرية على مر عصور طويلة بسمات كانت أقرب إلى الثبات، أصيلة فى وعى المصرى بنفسه وذاته..(الذكاء.. التدين.. الطيبة.. السخرية البريئة..الميل للاستقرار) وهذه الصفات بوجه عام شكلت الخريطة الأساسية للشخصية المصرية فى وعى المصريين ووعى غيرهم بهم.

وقد حدثت تحولات نوعية فى بعض السمات على نحوٍ يحتاج منا جميعا إلى الانتباه والتوقف..

الذكاء المصرى الفطرى تحول إلى ما عرفه علماء الاجتماع بـ(الفهلوة).. الداء الذى سيعانى منه المصريون كثيرا فى كل الأوقات وفى كل الظروف، سواء كانوا أصحاب حق أم أصحاب واجب..

وتعددت صور (التدين) على ما يخالف الروح المصرية الرصينة العميقة السمحة فى فهم الدين وتطبيقاته وشرائعه.. وقلّت درجة (الطيبة) والبشاشة والحنو والتسامح، وحل محل كل ذلك الميل للعنف والعدوانية والشراسة.. وتأثر جانب (الذوق) والإحساس الرفيع تحت ضغط التلوث والعشوائيات والزحام والاختناق.. وزادت حدة (السخرية) وأصبحت قاسية وأحيانا فجة وجارحة، ووصلت إلى حدود لم يعرفها المصريون فى حياتهم الاجتماعية ولا حتى السياسية.. أما (الاستقرار) فقد اهتز كثيرا بعدما أصبح الوطن ضيقا خانقا طاردا.. وقد تحدث فى ذلك شاعرنا الكبير فاروق جويدة فى قصيدته الشهيرة «يا وطن»: (بخلت علينا بالسكن واليوم تبخل علينا بالكفن..)، تعليقا على حوادث الغرق للمصريين فى العبّارات أو فى قوارب الهجرة، والسفر الذى أصبح حلم الجميع فى المدينة والقرية، التى عرف أبناؤها بالتصاقهم بطين الحقول والمزارع.. ولا غرابة فى ذلك، فقد أصبح متعذرا تحقيق الأمل والحلم على أرض الوطن..

من العوامل الرئيسة التى أدت إلى تلك التغييرات فى السمات الأصلية للشخصية المصرية، كما تحدث كثير من الدارسين والباحثين والكُتّاب فى العلوم الاجتماعية والسياسية - وللأسف الشديد - ثورة يوليو وما صاحبها من تغييرات جذرية.. بعضها كان إيجابياً وقابلًا لأن يبنى عليه ويستمر، مثل: (استقلال القرار الوطنى، وخطط التنمية، ومنظومة العدالة الاجتماعية).. وأكثرها سلبية على الإطلاق هو التأسيس المبكر للحكم الاستبدادى البوليسى فى دولة الاستقلال والمواطنة الكاملة، التى كافح المصريون طويلا من أجلها.. والتأسيس الراسخ لــ (جمهورية الخوف)!!.. وهو الأمر الذى كان مفهوما ما قبل 52، إذ لم يكن الحكام مصريين.. وكان الاحتلال بثقافته وسلوكه مثل كل محتل وغاصب.. أما وقد حدث ما حدث من انتكاس لحقوق المواطنة والعدل والمساواة على أيدى حكام مصريين من نفس طينتنا وجلدتنا، فذلك ما أحدث الشرخ الكبير فى (الشخصية المصرية)، وفى أعز عماد من أعمدتها، وهو (رابط الوطنية)!!.. الأمر الذى أدى إلى كل تلك التغييرات الحادة التى نراها ونعيشها فى البناء السياسى والاجتماعى والاقتصادى للأمة.. صاحبه تصدع كبير فى البنية الأخلاقية (أخطر خسائرنا على الإطلاق ).. وأرسيت قواعد السوء بتنويعاتها.. الاعتمادية والسلبية والفهلوة وثقافة الخطف والجرى والأنانية والطمع والتفكك..

لقد آمن ضباط يوليو 1952 بغايات النهضة والتحديث، لكنهم أقاموا (نظام حكم بوليسى) بامتياز، أثمر نتائج عكس ما آمنوا به وما حدثونا عنه ووعدونا به.. ثم جاءت هزيمة يونيو 1967 التى كانت نموذجا أسود لخداع الذات والتسليم التام للسلطة الفاشلة.. دونما مراقبة ومراجعة.. وسمعنا عن مقولة (توكيل) الرئيس فى فعل ما يشاء.. حدثت بعدها صدمة عاتية وتغييرات جذرية عميقة فى كيان المصريين.. ثم جاءت معاهدة السلام مع إسرائيل وما تبعتها من تغييرات سريعة ومفاجئة وواسعة التأثير فى كثير من (المسلمات) الوطنية والقومية... وتغيرت السلوكيات الاستهلاكية للمصريين على نحوٍ شرهٍ وشرسٍ، لم يعرفه المصريون فى ثقافتهم الاجتماعية المعروفة بالاتزان والقناعة.. مثل الرغبة فى الثراء السريع، وشاعت قيم الخفة والفهلوة وانتهاز الفرص (راقبوا الأغانى الشعبية ومفرداتها..!!).. ودخلنا فيما يمكن تسميته حالة (غياب القيم الكبرى).

على أن أخطر ما حدث للشخصية المصرية هو شيوع حالة القهر والخوف وانعدام الثقة فى كل وجه يمثل السلطة و(الحكومة)، انعداما تاما.. من طول الاعتياد والمعايشة لسلوك الاستباحة والتحكم للقبضة الأمنية للدولة فى كل صغيرة وكبيرة فى حياة الناس.. (تعيينات الوظائف على كل المستويات والترقيات واختيار القيادات العليا والانتخابات والبعثات.. وزد ما شئت).

وخَفَت كل صوت وطنى أمين ومخلص فى كل المجالات (السياسية والفكرية والدينية والاجتماعية).. مما أتاح الفرصة لتغلغل وانتشار الفساد (المحتمى بالسلطة).. ووصل إلى مراكز السلطة العليا أكثر الناس (فسادا وإفسادا)...فى نفس الوقت الذى ابتعدت واستبعدت فيه العناصر الموهوبة والمتميزة عن مراكز التأثير والتوجيه.. أما بقية الناس فقد تحولوا إلى أغلبية تسعى إلى تحصيل لقمة عيشها فى صمت وخوف.

اتسع الحلم والأمل بتغيير كل ذلك واستبداله بما يليق حقا أن تكون عليه (الشخصية المصرية) بعد ثورة المصريين فى يناير.. ثورتهم على خوفهم وصمتهم وفرقتهم وعجزهم قبل ثورتهم على سلطة القهر والفساد المتمثلة فى مبارك وحكمه.. غير أن الأمور تشير إلى أن شيئا ما سيحدث، وأن ما سيحدث لن يكون شيئا يحمل الخير..

ليس أسوأ مشاهده تصاعد القبضة الأمنية وإحكامها على أعناق الناس بنزعة شمولية، على استعداد دائم لإعلان الحرب على كل من يتصدى لمقاومتها فقط.. ولكن ما نشاهده الآن أيضا من التوتر والشقاق والتأزم العام بين النخبة السياسية والفكرية من جانب، وعموم الشعب من جانب آخر، مثّل تلك الحالة التى لا تبشر بأى خير، فأقل ما يضمن نجاح المرحلة الراهنة هو ضرورة (بناء الثقة) بين مختلف التيارات السياسية من جهة، وبينها وبين الشعب من جهة أخرى.. نحن بالأساس فى حاجة إلى تحقيق (حالة وطنية) صلبة قبل أى شىء آخر.. وكنت قد دعوت قبلا إلى تكوين (كتلة تاريخية) تستطيع تلمس الطريق إلى المستقبل بوعى وقدرة ونزاهة واستقامة قصد، حيث الوطن والإنسان المصرى مصان الحق فى الحرية والعدل والكرامة والمساواة.. وتأجيل ما عدا ذلك إلى حين. نحن الآن فى أشد الحاجة إلى تعزيز وتدعيم تصورنا وإدراكنا عن أنفسنا على أصح الوجوه وأحقها.. ولنتبع اختياراتنا الصحيحة التى أوشكنا أن نعثر عليها.

وأختم بما بدأت به: أن نغرس فى الأرواح عميقاً وبقوة أن (الشخصية المصرية) جديرة بالعيش الكريم والحرية والعدل الكامل.

 

مقال نشر بجريدة المصرى اليوم بتاريخ السبت 08-03-2014

بقلم د.عبد المنعم أبو الفتوح

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.