Menu

أبو الفتوح يكتب: جولة في فكر البنا (4)

الأمة الناهضة
في أربعينيات القرن الماضي أَرسل الإمام البنَّا رسالةً إلى الملوك والأمراء حكامِ العرب والمسلمين يذكِّرهم فيها بأمانة المسئولية المُلقَاة على عاتقهم، وعِظم التبعة التي في أعناقهم تجاه ربهم وشعوبهم، يقول في مستهلها: "إنَّ الله وكل إليكم أمرَ هذه الأمة وجعل مصالحَهَا وشئونَهَا وحاضرَهَا ومستقبلَهَا أمانةً لديكم ووديعةً عندكم، وأنتم مسئولون عن ذلك كله بين يدي الله تبارك وتعالى".

ثم يتطرَّق الأستاذ- رحمه الله- إلى (المبادئ الثمانية) التي يتحتَّم على أي أمةٍ ناهضةٍ أن تُقِيم عليها البنيان العظيم لنهضتها وحضارتها، فيقول: "ليس في الدنيا نظامٌ يمد الأمةَ الناهضةَ بما تحتاج إليه من نظمٍ وقواعدَ وعواطفَ ومشاعرَ كما يمد الإسلامُ بذلك أممَهُ الناهضة".


ولعلنا نذكر أن الأستاذ البنا كتب هذه الرسالةَ في الوقت الذي كان فيه العالمُ كله يكاد يكون قد انتهى إلى إِقصاء الدين من الحياة.. وكان العالم العربي والإسلامي في طريقه إلى مثل ذلك، بعد أن بدا أنَّ الروح الوهَّاجة المتأجِّجة التي حاول جمال الدين الأفغانى وتلاميذه بثَّهَا في الشرق قد انطفأت أو- في أكثر تقدير- تحوَّلت إلى مجرد أفكار في رءوس المفكرين والمصلحين لا أكثرَ ولا أقل.. فلنا أن نتخيل قدر الإيمان والشجاعة التي كان يتحلَّى بهما هذا الرجل وهو يخاطب الحكامَ والملوكَ بأنه "ليس في الدنيا نظام كالإسلام".


كان صوت الرجل في هذا الوقت كصوت المصلحين النابهين الذين يأتون دائمًا من أقصى المدينة يسعون إلى قومهم بمعاني الفلاح ومبادئ الإصلاح، سواء من أقصى مدينة الواقع أو من أقصى مدينة وعي الناس حكامًا ومحكومين بهذا الواقع.


فهو لم يوجِّه هذا الحديثَ إلى الحكام فقط، ثم ركن إلى انتظار استجابتهم من عدمها، بل كثَّف هذا الفكر كله في قطرات، أخذ يقطرها في وعي عامة الناس قطرةً بقطرةٍ حتى أيقن بهذه الحقيقة الغائبة الفلاحُ والعامل والموظف والطالب والتاجر، وتحركت في وعيهم في إطار (مبادئ ينهضون بها في الدنيا) و(إيمان يسعون به إلى الآخرة).


تعالوا نقرأ في هذه المبادئ الثمانية ونعيها، وما أشبه اليوم بالبارحه في الحاجة إليها فهمًا وتطبيقًا.


المبدأ الأول، الأمل الفسيح: يقول الإمام رحمه الله وأرضاه: "تحتاج الأمة الناهضة إلى الأمل الواسع الفسيح، وقد أمد القرآن أممَهُ بهذا الشعور بأسلوب يُخرِج من الأمة الميتة أمةً كلها حياة وهمة وأمل وعزم، وحسبك أن يُجعل اليأسُ سبيلاً إلى الكفر.. إنَّ أضعف الأمم إذا سمعت قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ (القصص).


لا بد أن ترى في هذا الأمل ما يدفعها إلى اقتحام المصاعب مهما اشتدت.. لا شك أنَّ الأستاذَ البنا كمصلحٍ كبيرٍ يُدرك مدى (القوة المعنوية) في عمليةِ الإصلاح والنهوض، وهذه من ثوابت التاريخ التي تؤكد أنَّ انطفاء الروح وغياب الأمل في الغدِ العظيم من أخطرِ عوامل (القابلية للاستذلال) التي تتسرب إلى الشعوبِ فتتدنى وتنحط، وترى الأمم الأخرى أعظم وأرقى منها، وأنَّ هذا هو قدرها في الحياة الذي يتحتم عليها قبوله.

وما الشرُّ كل الشرِّ لا خيرَ بعدهُ *** على الناس إلا أن تذلَ رقابُهَا


فينهزموا بمنتهى البساطة، ويستسلموا لمَن أفسد في حياتهم كلَّ شيء، وهو ما فطن إليه الإمام البنا في العلاقة بين الشرق والغرب، تلك العلاقة التي أراد الاست

إخوان أون لاين

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.