Menu

أبو الفتوح يكتب: جولة في فكر البنا (3)

الأصناف الأربعة
في تصنيفٍ عبقري يُحدد الأستاذ البنا موقفَ الناسِ من الأفكار والدعوات على طول التاريخ، بل ويذهب إلى أبعد من حدودِ التصنيف فهو يرجو من الناس أن يختاروا بينها، ويحددوا أين هم من هذه التصنيفاتِ باعتبار أنَّ الإنسان في نهاية الأمر حُرُّ المشيئة في اختياراته، متحملاً نتيجة هذا الاختيار على أن يكون من الوضوحِ والصراحةِ بما لا يجعله في نطاقِ (المنافقين) فيقول رحمه الله وأرضاه: وكل الذي نُريده من الناس أن يكونوا أمامنا واحدًا من أربعة:

الأول: (مؤمن).. فهو شخص آمن إيمانًا يقينيًّا بهذه الدعوة وصدق بمبادئها واطمأنت إليها نفسه، وطبيعي أنَّ هذا الإيمان يتبعه ما يؤكده ويصدقه من عمل، وله من الله سبحانه أجزل الأجر، وأن يكون له من ثوابِ مَن اتبعه لا ينقص ذلك من أجره.. يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يُحب المرءَ لا يحبه إلا لله تعالى، وإن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النار".


وطبيعي أنَّ هذا الصنف من الإخوان يكون مصدقًا لقول الرسول الكريم فيعلم يقينًا أن (الله غايته والرسول قدوته) فيحيا على الأرضِ بقلبٍ معلقٍ بالسماءِ يدعو الله بحبٍ وإخباتٍ أن يجعل الدنيا في يده لا في قلبه؛ لأنَّ قلبه امتلأ بحبِّ ربه وخشيته وتقواه.. يسمع لقول رحمن الدنيا والآخرة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 31) فيقول سمعنا وأطعنا.. ويكون ما استطاع عبدًا ربانيًّا في فهمه وفكره وسلوكه ومعاملاته.


فنفهم من هذا المعنى ما كان يذكره الأستاذ البنا دائمًا لإخوانه وتلاميذه من أنَّ (للإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نورًا وحلاوةً يقذفها الله في قلبِ مَن يشاء من عباده)، والله سبحانه يجتبي إليه مَن يشاء ويهدي إليه مَن ينيب، ولن يخرج المؤمن الصادق الإيمان عن أيٍّ منهما بتوفيقٍ ونورٍ من الله.. هؤلاء هم وقود الدعوه وزادها الذي لن ينقطع إن شاء الله.


الثاني: (متردد).. ويصف الأستاذ هذا الصنفَ من الناس بأنه (لم يتعرَّف في قولنا معنى الإخلاص والفائدة).. وينصحهم بأن يتابعوا الدعوة عن كثبٍ ويتتبعوا أخبارها وصُحفها ومجلاتها ويزوروا شُعَبها وأنديتها- إن شاء الله ستعود تلك الأيام وتمتلئ قُرى مصر وشوارعها وحاراتها بشُعَب الإخوان وأنديتهم بملاعبها ومكتباتها ومساجدها-، ويوضِّح الأستاذ البنا لهذ الصنف من الناس أنهم "لن يجدوا من الإخوان إلا ما يُطمئنهم".


والحقيقي أنَّ هذا الصنف من الناس غير قليلٍ.. وزاد على ذلك حالة الترويع التي تنتهجها الأنظمة الاستبدادية من جماعة الإخوان.. وأيضًا حالة التخليط والتشويه التي تروج لها بعض الصحف والكتابات ممن لا يعنيهم أمر الدين والوطن في شيء.. وأتصور أنَّ حالةَ التواصل الوجداني بين الإخوان والناسِ- وهو ما ظهر في الانتخابات الأخيرة- قللت كثيرًا من آثار هذا الترويع والتشويه، وأنا بدوري أدعو كل أخ من الإخوان أن يكون (شُعبة متنقلة)، ويُبين للناسِ أكثر وأكثر أن الإخوان السلمين هم قطعة من قلبِ مصر ومصر وأهلها- مسلمين وأقباطًا- قطعةً من قلوبِ الإخوان.. بلا ادعاء ولا تزلف والناس أصبحت من الإدراك بمكان يجعلهم يفرقون بسهولة بين الكاذبِ المدعي والصادق النقي.


الثالث: (النفعي).. وهو الشخص الذي لا يُقدم على عملٍ حتى يعلمَ ما سيعود عليه في المقابل من منفعة وفائدة، وهؤلاء يقول لهم الأستاذ البنا: "حنانيك، ليس عندنا من جزاءٍ إلا ثواب الله إن أخلصت والجنة إن علم فيك خيرًا".. ويقول أيضًا: "الله غنيٌّ عمَّن لا يرى لله الحقَّ الأول في نفسه وماله ودنياه وآخرته وموته وحياته".


وهذا النوع للأسف موجود خاصة حين تكون الأمور في إقبال وانتشار، وهم كوارثٌ على الدعواتِ والتجمعاتِ ذات الطابع الإصلاحي؛ لأنهم يكونون على غير ما يقولون.. ويتصرفون في معاملاتهم مع الناس وفْق مصالحهم وأغراضهم.. وهؤلاء هم (سوس) الدعوات الذي- لا قدَّر الله- ينخرُ في عظامها.


والأمر في هذه الأيام ادعى للانتباه واليقظة أكثر آلافِ المراتِ مما كان عليه الأمر من قبل؛ لأنَّ هناك حالةً من المصداقيةِ والثقة عند الناس أنعم الله بها على الحركة الإسلامية على طول البلادِ العربية وعرضها.. وهذه هي الأوقات التي (يترعرع) فيها أمثال هؤلاء- والعياذ بالله-؛ طمعًا في مغنمٍ أو تصيدًا لفرصة.. ويجب الأخذ على أيادي هؤلاء بشدةٍ حتى لا يُفسدوا ما يُصلحه الصالحون أو يهدموا ما يبنيه الصادقون.


الرابع: (المتحامل).. ويصفه الأستاذ البنا بأنه "ذلك الشخص الذي ساء فينا ظنه وأحاطت بنا شكوكه".. وهذا الصنف طبيعي أن يكون موجودًا في طريقِ الدعوات الإصلاحية، وهو أمرٌ قديمٌ قدم الدنيا والناس، والتعامل مع هذا النوع يكون بطريقٍ علاجي وآخر وقائي- على نحو ما ينصح الفقيه العلامة الدكتور القرضاوي- العلاجي يكون بتصحيحِ هذه الظنون والشكوك والتحاور الدائم بالحسنى والحكمة بشكلٍ موضوعي وهادئ على ألا يأخذ ذلك منا كل الجهد ومعظم الوقت.. وعلى ألا يسوقنا ذلك إلى التشاتم والتلاسن وما يُنافي أخلاقيات المؤمنين المصلحين.


والوقائي يكون بوضع لغة خطاب موضوعية وموثقة تجمع بين الدقة والوضوح، وبشكلٍ عصري وبسيطٍ يبعد عن التعقيدِ والتعالي.. والبحث الدائم عن مساحاتِ المشترك بيننا وبين الآخرين، فنتعاون ما استطعنا فيما اتفقنا عليه معهم؛ وذلك من شأنه أن يكسر حِدة التحامل والتي قد تكون وليدة موقف خاطئ أو قول غير موفق.. وفي كل الأحوال يقول الأستاذ البنا لإخوانه وتلاميذه: "كونوا كالشجرِ يرميه الناس بالحجرِ فيرميهم بالثمر".

--------------

إخوان أون لاين

آخر تعديل علىالأربعاء, 11 أيار 2011 20:55

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.