خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 62
Menu

الـصــدق بقلم د.عبد المنعم أبو الفتوح 25-09-2008

 

حين سُئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عما إذا كان مقبولاً أن يكون المسلم جبانًا أو بخيلاً أجاب بـ"نعم"، على ما في الصفتين من نقصانٍ لا يليق بمَن أسلم وجهه لمَن إليه يرجع الأمر كله سبحانه وتعالى، وحين سُئل عمَّا إذا كان من الممكن أن يكون كذَّابًا قال: "لا"؛ لأن الكذب- واليعاذ بالله- هو بوابة كل الشرور والمهالك، وهو من أبعد الصفات عن المسلم الذي يرجو الله واليوم الآخر، ناهيك عن بُعدها عن الإنسان السوي الكريم، وصدق مَن قال إن الصدق هو الفضيلة الأساسية للحياة الإنسانية، وهو أصل سائر أعمال البر.

الصدق- كما نعلم جميعًا- هو الإخبار عن الشيء بما هو عليه، وإظهاره على حقيقته، وهو قول الحق في مواطن التهلكة، وهو موافقة السر للعلن، وهو الوفاء لله عز وجل بالعمل.

ويروي العلماء أن (الحكمة) تدور على ثلاثة أشياء: صدق، وتصديق، وتحقيق.. صدق باللسان، وتصديق بالقلب، وتحقيق بالجوارح، ورتبوا الصدق على ثلاث مراتب:

مرتبة المتقين: وهم أصحاب الإرادة القوية المهتدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، المخلصون في أفكارهم وسلوكهم.

مرتبة الصادقين: وهم الذين استكملوا السير في طريقهم إلى الهدى وسلكوا سبيل الصدق ودخلوا في رحاب المعرفة وأصبحوا من الصادقين.

مرتبة الصديقين: وهم المجاهدون في المواصلة والسير الدءوب في الطريق إلى الله، والصديقون هم مَن جاءوا بعد الأنبياء: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: من الآية 69).

والصادق من صدق في أقواله، والصديق من صدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله.

ولقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة عن الصدق والصادقين والصديقين:

- قال تعالى: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (يونس: من الآية 2).

- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: من الآية 119).

- ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: من الآية 69).

والأحاديث الشريفة التي تحض على الصدق كثيرة؛ من أوضحها وأقواها هذا الحديث الشريف : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة".

والصدق يكون في النية أولاً، ثم صدق اللسان، ثم صدق العمل، وعلى قدر قوة الصدق يكون المسلم من الأبرار الأطهار؛ وذلك باستقرار الصدق في قلبه كما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحقيقة الصدق أن يصدق المسلم في مواطن لا يُنجيه منها إلا الكذب مهما كانت الأضرار المتوقعة من جرَّاء ذلك؛ ماديًّا أو أدبيًَّا أو اجتماعيًّا.

والطمأنينة والرضا هي أروع ثمرات الصدق؛ لأن الإنسان الصادق لا يعبأ بأي شيء، ولا يهتم ولا يخاف ولا يخشى أحدًا إلا الله سبحانه وتعالى؛ فكل عمل وكل قول وكل كلمة ينطق بها هي فقط لمرضاة الله وحده.

ويرتبط الصدق دائمًا بصفتين على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية؛ هما الإخلاص والصبر؛ باعتبار أن الإنسان الصادق في نيته وقوله وعمله هو بالتالي مخلص في نيته وقوله وعمله.

والإخلاص والصدق يقودان بلا شك إلى الصبر؛ لأن من صدق وأخلص أصبح الصبر صفة ملازمة له؛ حيث إن الصبر يستلزم أن يكون الإنسان صادقًا مخلصًا، وهكذا نجد أن الإخلاص لا يتم إلا بالصدق فيه والصبر عليه، والصبر لا يتم إلا بالصدق فيه والإخلاص فيه، والصدق لا يتم إلا بالصبر عليه والإخلاص فيه.

من الناس من يصدق (مروءةً)؛ فأهل المروءة تمنعهم شخصياتهم واعتزازهم بأنفسهم وحياؤهم وتربيتهم من أن يكذبوا؛ أنفةً من الكذب وخيبته ووضاعته، ومنهم من يصدق (عبادةً)؛ لأن الله تعالى أمر بالصدق؛ فقال: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: من الآية 119)، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا".

ومن اللفتات الطريفة التي يذكرها العلماء أن إبليس نفسه أنف من الكذب حين قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (ص: 82) قاصدًا ذرية آدم عليه السلام؛ فهذا كذب؛ لأنه من عباد الله مَن لا يستطيع أن يغويَه، ولهذا تدارك وقال: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: 83).

ومن أشد أنواع الكذب وأقبحه كذب (العالم) على الناس مع فرض أنه يهديهم ولا يضللهم، وكذب (الحاكم) على شعبه.

يقول صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: شيخ زانٍ، وملك- أي حاكم أو رئيس- كذاب، وعائل مستكبر".

ومما رواه أهل التربية أيضًا في فضل الصدق والصادقين قولهم: "أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق، والحياء، وحسن الخلق، والشكر".

وقولهم: "وجدنا دين الله تعالى مبنيًا على ثلاثة أركان: الحق، والصدق، والعدل؛ فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول".

ومن وصاياهم ونصحهم: "احفظ الصدق فيما بينك وبين الله تعالى، والرفق فيما بينك وبين الخلق".

وسُئل أحدهم: "ما أصل هذا الأمر الذي نحن عليه؟" فقال: "الصدق والسخاء والشجاعة"، فقيل له زدنا، فقال: "التقى والحياء وطيب الغذاء".

***

تقبل الله منا ومنكم أبها الإخوان الصادقون الصيامَ والقيامَ وسائرَ الأعمال الصالحات، وقد رأيتُ أن أحدثكم خلال هذه الأيام المباركة عن صفتين من أهم وأجلِّ الصفات التي لا يكون صلاح الحال والمآل إلا بهما، وهما الأمانة والصدق.

 

ويكفي تدليلاً على ذلك أن محمدًا بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- عُرِف بهما قبل أن يبعثه رب السماوات والأرض رسولاً ونبيًّا، فسماه قومه "الصادق الأمين"، ونفهم من ذلك أن نقصان هاتين الصفتين يعد نقصانًا معيبًا في شخصيه صاحب الفكرة والرسالة.. ووفرتهما وزيادتهما هو وفرة وزيادة وقوه في أخذ الفكرة والرسالة.

lنشر بتاريخ 25-09-2008 بموقع اخوان اون لاين

آخر تعديل علىالسبت, 29 تشرين2/نوفمبر 2014 23:07

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.