Menu

الغزالى.. فقيه النفس وأديب الفقه - بقلم د عبد المنعم أبو الفتوح

كلمة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح فى احتفالية رابطة خريجى الأزهر فى ذكرى رحيل فارس الدعوة الإسلامية الشيخ محمد الغزالى والتى أقيمت مساء أمس الأحد 18 سبتمبر 2011 فى قاعة الامام محمد عبده

كما شارك فى الحفل فضيلة الشيخ أحمد الطيب شيخ الازهر الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامى والكتور حسن الشافعى مستشار شيخ الأزهر والدكتور احمد عمر هاشم أستاذ الحديث بجامعة الازهر والعديد من المثقفين والشخصيات العامة

تجمعنى بالشيخ محمد الغزالى رحمه الله  عاطفة خاصة ..فغيردوره الهام فى هداية  تيار الصحوة والإحياء الذىبدأ فى مصر اوائل السبعينيات.. كانت خطبة الجمعة التى كان يلقيها فى مسجد عمرو بن العاص الرمز الحركى لنا فى الالتقاء والعمل ..وطوال الثمانينيات والتسعينيات كانت كتاباته ومقالاته (عرضحال) فقهى وفكرى وحضارى لواقع الأمة السياسى والاجتماعى والدعوى .

الشيخ القرضاوى أمد الله فى عمره هو صاحب التوصيف الدقيق (فقيه النفس) الذى يجمع الأثر البليغ الذى تركه الشيخ الغزالى فى رصده وتسديده لحركه المسلم حول مدارات النفس وإلهاماتها فى مسعاها الحثيث نحو التزكية والفلاح . والأستاذ الشهيد حسن البنا فيما اذكر هو صاحب وصف (الفقيه الاديب) وذلك حين كتب الشيخ الغزالى مقالة فى جريدة( الاخوان المسلمين) وقت ان كان طالبا فى الأزهر..فظهر بين سطورها أن كاتبها موهوبا واعدا وما كان للبنا (فقيه الرجال) ان تفوته الإمساك بهذه الموهبة فرد على المقالة مشيدا بها.. ودعا لكاتبها بقوله (اكتب وروح القدس تؤيدك).. وقد استجاب الله دعاء الرجل فكانت كتابات الشيخ الغزالى كتابات (مباركه ) إذ لم تكن من تلك النوع من الكتابات التى تحويها دفات الكتب بل كانت طاقة روحية ومددا من الصلاح والإصلاح لأجيال كاملة . وسأحاول خلال هذه الورقة ان اشير الى بعض مما تركه الرجل من علامات هادية ومنارات عالية فى أجواء الدعوة والإصلاح:



أنعم الله على الرجل بملكة فقهية عميقة ونافذة لفهم العلة الباعثة..والحِكمة الخافية ودراية بالعصروفطنة بالمقصد الشرعي الذي يشمله الحكم وفهم بالظروف المحيطة ...كل ذلك على خلفية إيمانية عميقة إخبات لله وإخلاص العمل له وطلب المثوبة منه سبحانه وله فى ذلك جملة بليغة ..شديدة التاثير فيقول(إن الخطبة البليغة والكتاب المبين الذكي والجماهير العاشقة المتعصبة لا تساوي كلها قشرة نواة إذا كانت علاقة المرء بربه واهية)



كان رحمه الله يرى أن الدين هو الفطرة السليمة قبل أن تشوهها تقاليد سيئة وأفكار سقيمة ..وكان يرى أن الجهل بالدنيا والعجزفي الحياة (حجابا صفيقا بيننا وبين النصر المبين لأن الصالحات المطلوبة تصنعها فأس الفلاح وإبرة الخياط وقلم الكاتب ومشرط الطبيب وقارورة الصيدلي  ويصنعها الغواص في بحره والطيار في جوه والباحث في معمله والمحاسب في دفتره..يصنعها المسلم صاحب الرسالة وهو يباشر كل شيء ويجعل منها أداة لنصرة ربه وإعلاء كلمته.)هذا الفهم الشامل لحقائق الدين والادراك الرحب لمقاصده وغاياته فهم يشيد بالعقل وينوه بالفكر ويبعث على النظر ويحمل على البلداء والمغفلين الذين يحملون الدين وزر كسلهم وتأخرهم زاعمين أن أكثر أهل الجنة هم البلهاء  .. في حين يجعل القرآن أهل الجنة هم أولي الألباب.



ظل الشيخ الغزالي بما حباه الله من عمق في الفكر وسعة في الصدر وبعد في النظر يناهض الفلسفات الضالة والأفكارالهدامة داعيا إلى تصحيح المنهج وتقويم التصور والعودة إلى ينابيع الإسلام الصافية.
وظل طوال خمسين سنة مرشداً أمينا للصحوة الإسلامية ومدافعاً صلبا عن الإسلام ..الدين والحياة .وظل يدعو إلى الفهم السليم في التعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث العريض مع الاحاطة بمعطيات العصر في مجال العلوم والتقنية الحديثة.



كان رحمه الله يدرك دورالأدب في هذا العصر..والذى أصبح بفنونه وأساليبه المختلفة يجذب قطاعا عريضا من الناس خاصة المثقفين..وأصبح الذوق بشكل عام يميل إلى اكتساب المعرفة والثقافة بجاذبيه وإحساس بالجمال.
وأدرك أن الخطاب الفكري والدعوي في حاجة ماسة إلى لغة تخاطب العقل والشعور لتدخل إلى النفوس وتمتزج بها وتحقق للمتلقى غايتي الإقناع والسرورمعا..سيراً على نهج القرآن الكريم وأسلوبه الفريد .. فالإبداع والتطور في اللغة مطلب ضرورى خاصة في عصرنا الحالي الذي انتشرت فيه أنواعا متعددة من الألوان الأدبية والثقافية هذا بالإضافة إلى تلك المتغيرات التاريخية الكبرى التي حدثت فيه ومع هذا الركام من الثقافات والجدل بين الأفكار والاختلاف بين المجتمعات كان لابد من التجديد في الوسائل والأساليب الدعوية .واللغة  كما يقولون هي وعاء الفكر وأداته وهي الوسيلة الأساسية في الدعوة والتغيير والبناء ..
حين كتب الشيخ كتابه الشهير(عقيدة المسلم)دعا إلى عرض العقيدة بأسلوب يجمع بين جزالة اللغة وسحرها ودقة المعنى وبيانه لتقترب منها النفوس وتتعلق بها القلوب والأفئدة وقد حرص على تطبيق هذه الدعوة في كتابه هذا مخالفا بذلك كثيراً من العلماء قديما وحديثا ممن كانوا يعرضون العقيدة في قوالب جامدة وأساليب عتيقة  بل كثيراً ما كانوا يقحمون جدالات أهل الكلام واختلافات أهل الجدل حول مسائل العقيدة في كتبهم فكيف يكون حال المتلقي البسيط ازاء كل ذلك وهو مشبوب العقل والقلب الى ما يبعث فى كيانه الاطمئنان واليقين و السكينة العقلية إذا جاز الوصف... يصف رحمه الله ذلك فيقول (إذا كان علم التوحيد على النحو الحالى فإن كتبه التي تشيع بيننا الآن فشلت في أداء رسالتها شكلاً ومضموناً فلا معنى البتة

لعرض علم ما في توزيع مضطرب بين متن وشرح وحاشية وتقرير وفي لغة ركيكة سقيمة الأداء) .



كان تأثره رحمه الله تأثرا كبيرا بمصدري الإسلام: القرآن والسنة ثم بروائع الكلام في تراثنا الكبير وهذا ما أكسب أسلوبه جمالا في العرض وروعة في التشبيه ودقة في التعبير...تراه مثلا وهو يدافع عن (التنويع) في أساليب القرآن الكريم ـ وهو مما اعتبره بعض المستشرقين عيباً -  فيقول: (إن القرآن لون حديثه للسامعين تلوينا يمزج بين إيقاظ العقل والضمير معاً ثم تابع سوقه متابعة إن أفلت المرء منها أولاً لم يفلت آخرا كما يصب الهدف حتما على دقة المرمى وموالاة التصويب وذلك هو تصريف الأمثال للناس إنه إحاطة الإنسان بسلسلة من المغريات المنوعة لا معدى له من الركون إلى إحداها أو معالجة القلوب بمفاتيح شتى لابد أن يستسلم القفل عند واحد منها)..



عرف الشيخ في حياته الدعوية العريضه بعاطفة جياشة وحماسة فياضة تجاه المشكلات التي تهم الأمة ومع أن أمر الدعوة قد أخذ منه كل عمره تقريبا لعظم التحديات الحضارية التي واجهت الأمة الإسلامية في هذا العصر والحاجة الدائمة للدفاع عن الفكر الإسلامي (لنفى تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين) ومع هذا العبء الكبير فقد عرف عن الشيخ اهتمامه بقضايا الأدب وتطور أفكاره وقد كان ذواقا للشعر يحفظ قديمة ويتابع جديدة ..ومما حكى عنه انه كان دائم اللوم لنفسه على عدم حفظ ديوان المتنبى فى شبابه .



كان دائما يصيح بحرقة: (اللغة العربية في خطر... أدركوها قبل فوات الأوان)
والخطر الذي يهدد اللغة العربية هو النتيجة الحتمية لضعف العرب عن أداء واجبهم تجاه لغتهم وتنفيذهم لخطة الغزو الثقافي الساعية إلى إلغاء دورها الحضاري والفكري والثقافي والقضاء على أداة التواصل بين الحاضر والماضي والأداة الجامعة لهذا الهرج والمرج للعاميات في الوطن العربي.
فكان يرى أن اللغة العربية تحارب الآن بوسائل مختلفة:مثل المسلسلات والروايات التمثيلية التي تحكي عبارات السوقة والغوغاء فتحيي ألفاظا كان يجب أن تموت وتؤدي إلى سيادة اللهجات العامية بدل سيادة اللغة الجامعة و إذا علمنا مدى ما يبذل وينفق من أجل انتشار هذا النوع من الأدب العامي لأدركنا أن المسألة مقصودة.. أيضا أهل القدوة من الزعماء وغيرهم الذين يحلو لهم أن يتحدثوا بلغة تجمع بين الفصحى والعامية ونحن ندرك جميعا مدى التأثير السلبي الذي يعود على عامة الناس عند سماعهم لهذه اللغة المضطربة ومن البديهيات أن زعماء الدول المتحضرة اليوم من أحرص الناس علي مخاطبة الجماهير بلغة راقية تجلب الاحترام.. وكان تقديره أن بعض دعاة العروبة في هذا العصر هم من أعجز الناس عن الحديث باللغة العربية .. هناك ايضا بعض أبناء المسلمين الذين يريدون الانقطاع عن الثقافة الإسلامية ويرون أن الحضارة هي في تقليد الغربيين والحديث بلغتهم والنظر إلى العربية على أنها لغة متخلفة .



كان الغزالي رحمه الله رائدا كبيرا في الدعوة وفنون الإقناع ومخاطبة العقول والقلوب مدركا تمام الادراك لمقتضى الحال السياسى والاجتماعى والفكرى . فكان ابعد ما يكون عن بعض نماذج الخطاب الديني التقليدي وبعيدا أيضا عن أي قراءة تبريرية للواقع تجعل الدين (طبلا يدق في مواكب المستبدين) .

اسمع له وهو يقول إذا كان الدين مخدراً للشعوب في بعض الأقطار فالدين في بلاد الإسلام موقظ للشعوب وحاث لها على مقاومة الظلم وإشاعة العدل وتعميم الرحمة ومنع الجوع واستنكار البطنة والترف)

وبعيدا أيضا عن كل مثقف ارتضى أن يحول خطاب التغيير والاصلاح إلى جدل عقيم ليس من ورائه إلا والثرثرة .... ومن كلماته التى سكنت فى وعى وفهمى  بعمق وقوة ووضوح(كل تدين يجافي العلم ويخاصم الفكر ويرفض عقد صلح شريف مع الحياة هو تدين فقد كل صلاحيته للبقاء)



كان يؤكد على إن الإسلام كما الليبرالية وكما الديمقراطية يقف ضد الاستبداد ويعلى من شأن الإنسان و حقوقه وله فى ذلك موقف شهير عندما وجه نقدا شديدا للدستور الذي وضعه تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير والذي يدعو إلى استعادة الخلافة على أساس أقرب إلى نمط الحكم القائم على البيعة وأهل الحل والعقد والشورى المعلمة وليست الملزمة ..وكان موقفه قويا فى تأييد دستور 1923 م المأخوذ عن الدستور البلجيكي على حد تعبيره على الرغم من أنه لم يكن مليئا بالآيات والأحاديث مثلما كان الحال في دستور النبهاني . وكان تعليق الشيخ الغزالي أن الدستور البلجيكي أقرب إلى روح الإسلام وجوهره فىمقاومة الحاكم المستبد ورقابته من الدستور الذي يبدو شكلا إسلاميا لكنه في جوهره يتناقض مع روح الإسلام ))



كانت العناية الفائقة عند الغزالي للحقائق والتأكيد على قواعد وأسس لابد منها فيقول فى ذلك (كل ما أطلبه من المسلمين أن يوفوا بعهودهم لمن لا يدين دينهم وأن يتمسكوا إلى آخر رمق بكل شعبة من شعب الإيمان وكل حد من حدود الإسلام وكل حكم من أحكام الله وكل معلم من معالم الشريعة... فإن العالم المتنمر ضدنا يتهامس فيما بينه يقول: لقد عاش الإسلام أربعة عشر قرنا حسبه هذا يجب أن نجهز عليه... إنني أنذر حتى يعلم المسلمون أن معيشتهم في يوم الناس هذا وفي الغد القريب والبعيد ستكون معيشة كدح وكفاح ودفاع عن تعاليم الإسلام أمام مؤامرات لاينقصها الذكاء ولا المهارة(

إنها رؤية مصلح عاش لأمته ودينه بعقل فقيه وقلب عابد  وعاطفة أديب



مهما يكن من تبريرات حول قيام العمل المسلح أو تسويغ حمله داخل المجتمع العربي وحتى مع المختلف معه فإن الشيخ الإمام الغزالي أكد رفضه القاطعلاستخدام العنف بإسم الدين فى كلمته المشهورة(لا حاجة للعصا ) فالمصائر التي آل إليها العمل الإسلامي بسبب تهور وتذمر وتسرع بعض قياداته أدت إلى الويلات وأدخلتنا في متاهات الدم والانتقام  كما أن (الإسلام دين أساسه عقلي فطري يجد طريقه ميسرا إلى القلوب ممهدا إلى أولي الألباب)

التوحيد لا يحتاج إلى عصاً تلهب الجلود كي يقتنع الناس به فالعبادات السمحة والأخلاق الزكية والمعاملات العادلة والشرائع الضابطة لأفضل المثل وأشرف التقاليد ذلك كله لا يحتاج إلا إلى دعوة هادئة وإقناع مجرد

ربما يحتاج التفكير الذي يرفضه العقل أو المذهب الذي يأباه الطبع وتكرهه الفطرة ربما احتاج هذا وذاك إلىالعنف لينتشر

لكن الإسلام لا يحتاج إلى العنف إنما يحتاج إلى فاهم له وإلى سامع لا غش في قلبه ولا هوى في ضميره فإذا تيسر هذا وذاك ..فما يحتاج الإسلام بتة إلى العنف

بل نقول أكثر من ذلك: إن رسالات السماء التي بدأت مسيرتها على الأرض ما لجأت إلى العنف في إقرار العبودية لله الواحد وفي حشد الناس على صراطه المستقيم

كان رحمه الله يعتقد بتمام اليقين أن مفاهيم الحكمة والوعي والدراية هي الركائز الأساسية للداعية المسلم كما أن الحرية في تبليغ الدعوة هي المناخ الأنسب لنشر الدين و كلما كان أفق الدعاة مضيئا ورحبا ومتجاوز لثقافة (التدين الشعبي )التي تعلى خطاب الموت والظلام والخلاص الشخصي  ومنطلقا فى اتجاه مفاهيم ومقاصد الدين الرحبة التي تقوم على ترابط الدين والدنيا ...كلما حقق إنجازات رائعة وكان أقرب إلى روح الإسلام فيقول (اعتمد الدين في شرح مفهومه وبلوغ غايته على دعاة لهم لب ناضج وقلب سليم واحتاجت البيئة إلى أن تخلو من السدود العائقة والطواغيت المستبدة....عندما يكون صوت العقل لا حجاب أمامه ولا عائق ...فإن الإسلام ينتشر وينتصر)



من إقراراته المشهودة لحال الأمة أن( تبيئة الإسلام)أى إلباسه ثوب البيئة والمحيط الاجتماعي الذى  انتشر فيه وخلطه بالتخلف الاجتماعي وكذلك مزجه بالعادات الشعبية كل ذلك ..أدى إلى تحويله إلى بعبع يخيف النساء

ومن اسف أن هناك بعض المتدينين لا يعقلون قضايا المرأة وينظرون فيها بحماقة وقلة فقه ولو وكل الأمر إليهم لحبسوا النساء في البيوت فلا عبادة ولا علم ولا عقل ولا فكر ولا نشاط ولا شيء.. هذا النوع من المتدينين الجهلة ينبغي أن يُحرم من الكلام باسم الله..

على انه نبه ايضا وبكل قوة الى ان النهضة النسائية الرشيدة تحتاج إلى أن يطرد نوع آخر من المتحدثين في قضايا المرأة وهم (عبيد أوروبا) الذين يريدون إشاعة الانحلال في أوطاننا والذين لا يعنيهم أمر العفة ولا أمر الأسرة ولا يبالون أن ينقلوا ما هنالك بعمى غريب...

..................................................

لا نريد تدين الحمقى ومن لا فقه لهم... ولا أغلال الكذَبة ومن لا شرف لهم.

رحم الله الغزالى الذى كان فكرا يحيا باسم الإسلام ويدافع عن الناس .

د/ عبد المنعم ابو الفتوح .

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.