Menu

الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في «مدينة الكلمات»: يُشيِّد أماكن المعاني وفضاءاتها

الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في «مدينة الكلمات»:  يُشيِّد أماكن المعاني وفضاءاتها

قد لا تكون الكتب الروائية التي أصدرها الكاتب ألبرتو مانغويل مثيرة ولافتة للاهتمام ومشوقة كثيراً مثل كتبه النثرية، وبخاصة تلك الكتب التي تتحدث عن الكتب ذاتها، أو المقالات العميقة التي تستبطن وتستجلي بطريقة دقيقة ومغرية وفاتنة، تواريخ العالم وأساطيره وحكاياته ومروياته المثيولوجية أو التاريخية التي سطرها التاريخ والواقع عبر أزمنة الماضي من عقود وقرون خلت، فهو خير مستجل وباحث ومستغور لتلك الوثائق العالمية التي تركتها البشرية كلفائف ومدونات بردية، أو على ألواح صلصال وكتابات طينية، حفرها مسمار أسطوري في زمن غابر، فألبرتو هنا خير معين وكاشف ومسلط للضوء على تلك المخبوءات الزمنية التي دونتها البشرية عبر رحلتها الطويلة مع الحياة والكون والعالم .

في كتابه الجديد والمُغوي «مدينة الكلمات»، ترجمة يزن الحاج، تبرز تلك الجاذبية التي عودنا عليها ألبرتو مانغويل، يسحبنا إلى فضاءاته المستنيرة بعلم البحاثة الأوائل ورواد الرحلات في صروح وأرباض الماضي السحيق، ماضينا الذي أسس لكتابة الملحمة والتدوين الأولي وتطعيم ذلك التدوين بالرؤى الشاعرية والحكم الفلسفية وبالشوارد من المعاني التي ندتْ عن الإنسانية عبر مسيرتها الطويلة وعبورها للزمن والتاريخ والأمكنة، تلك الأمكنة التي نشأت فيها وسجلت أولى ملامح إشراقاتها الفكرية والشعرية والملحمية فيها، أمكنة حالمة وشبه اسطورية، مثل سومر وبابل ونينوى، وأثينا وأعمدة الأكروبول وشعلة الأولمب، وحواريات سقراط مع تلاميذه بين تلك الأعمدة، وديموقريطس وحديثه عن الحريات الأولى وبهجة أن تكون حراً وتعبر عما في داخلك كما تشاء. ومن هنا يأتي تدوين مانغويل عن الحرية/ مفتتحاً كتابه بهذه القبسة من كاتب المقالات السياسية الذي عاش في القرن الثامن عشر، وليم هازلت، عن الحرية ورؤيته إليها والتي اتخذها مانغويل كمفتاح لولوج عالم هذا الكتاب «مدينة الكلمات» وعبر لسان هذا الكاتب الذي يقول «حب الحرية، هو حبّ الآخرين، حب السلطة هو حبّ أنفسنا». أما في المقدمة فهو يعرج إلى أبي بكر الجاحظ ليجعل منه خير مقدم لكتابه، مستعيناً بهذه الكلمات «أني أوشح هذا الكتاب وأفصِّل أبوابه بنوادر من ضروب الشعر، وضروب الأحاديث، ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب، ومن شكل إلى شكل.
إذاً تحت ضوء هذه المعاني يجول بنا ألبرتو مانغويل من التصورات والمفاهيم والرؤى التي تركت بصمتها في زوايا العالم ومحطاته الكثيرة، بادئاً بـ «ملحمة كلكامش»، مفنداً جماليات ذلك النص الملحمي الأول في العالم، بطريقة علمية وتاريخية وفنية أيضاً. فالفن الكتابي لدى مانغويل هو نوع من الموهبة الأخرى، تلك الموهبة التي تدعم مَلَكة الكتابة وتسندها، دارساً هذه الملحمة الشهيرة من زاويته الجمالية وعبر مسباره الخاص هو، كاشفاً عن مواطن الإعجاب والبهجة في ذلك النص الميثولوجي الساحر والمثير لمخيلة البشرية جمعاء.

ألواح كلكامش

في غرفة مغبرة من المتحف البريطاني، يقول مانغويل، اكتشف شاب متحمس يدعى جورج سميث، عدداً من الألواح المسمارية، شحنها باحث هاوٍ من شمال العراق إلى لندن، تم اكتشافها في عام 1872. أدهشت المكتشف تلك الألواح في مكتبة آشور بانيبال والتي تخبر عن وجود ملحمة كلكامش وكتاب في صندوق، وذكر كتاب كتحديد لماهيته يكتشف للمرة الأولى، أي تسمية كتاب، والكتاب كان ينطوي على ملحمة كلكامش ذلك الملك الجبار والطاغي، ثلثاه إله والثلث الباقي بشر. كان ملكاً مستبداً، يقتل الرجال ويغتصب النساء، حتى الآلهة، لذا بدأ شعب أوروك يشكو منه ويطلب حلاً من السماء، فيصل الخبر إلى الآلهة التي تشكو منه ومن أعماله، فصير إلى وجود معادل له وصديق يزامله ويأنس إليه، هذا ما اقترحته الآلهة. في منامه يحلم كلكامش بسقوط نجمة، وحين يسعى إلى التقاطها يجدها صخرة كبيرة، فيقص حينها حلمه إلى أمه لتفسره بأنه صديق وشخص ستحبه ليكون رديفك. في تلك الأثناء يعثر صبي على رجل في غابة يشبه الحيوان في تصرفه يأكل العشب ويشرب ماء البرك، فيتم إخبار الملك كلكامش بذلك، فيرسل كلكامش الصياد الذي رآه ومعه العاهرة المقدسة شامهات لتغريه، حتى يقع أنكيدو في فخاخها الجنسية، كاشفاً عن إنسانيته، آنئذ أصدقاؤه من الحيوانات تهرب منه كونه بشراً، هنا يبدأ كلكامش بقص شعره، ثم يلبس من ملابس شامهات، البغي المقدسة، ويتعطر، معتزاً برجولته وإنسانيته، حتى تأتي به البغي إلى كلكامش الملك القوي والعظيم، فيدعوه كلكامش إلى المصارعة حتى يصرعه، كونه بشراً، والملك فيه شيء من الألوهية، في تلك الأثناء يصادق الملك كلكامش أنكيدو مربتاً على كتفيه، ومتخذاً منه صديقاً ومعيناً ومستشاراً.
لعل فرح الباحث البريطاني جورج سميث يعود إلى أنه هو الآن قد تيقن من اكتشاف حقيقة الكتاب المقدس الذي يتحدث عن قصة الطوفان وقصة النبي نوح وسفينته التي أنقذت البشرية من الاندثار بذهابها إلى مكان أكثر أمناً، والى بلاد عالية الأرض إلى حيث جبل أرارات، فهناك يمكن للبشرية العيش والاستمرارية، بما تملك من كل زوجين اثنين، حيوانات وطيور وبشر لكي لا ينقرض النسل الآدمي وكذلك الحيواني المساند والرفيق الأزلي للبشرية .
المهم في ذلك الاكتشاف الملحمة السومرية القديمة التي كتبت في سومر، ثم نقلت إلى نينوى لتحفظ هناك بعد خراب سومر، وربما بعد جائحة الطوفان، إذ ثمة ما يؤكد وجود مثل ذلك الأمر بالنسبة للبريطاني الباحث جورج سميث، فلقد وجد لدى كلكامش ذلك السر القوي والمخفي في تلك الألواح، فتوصل في شذرة صلصالية إلى كشف سر نوح الميزوبوتامي على حد تعبير مانغويل، حيث أن بحثه ذلك أدى به إلى كشف تلك الشفرة. بعد مقتل انكيدو من قبل الوحش خمبابا، يبدأ الملك كلكامش بمخاطبة من رحلوا، لإعادة صديقه إلى الحياة خلال زيارته للعالم السفلي، متذكراً كل من ماتوا قبله ومن ضمنهم نوح الذي واجه الطوفان .
يستخلص ألبرتو مانغويل من هذه الحكاية، أن وجودنا مرتبط بالآخر، فهو المكمل لنا، ولا نستطيع العيش من دونه، فهو الحلولي والنزيل والمتماهي فينا، وهو شخصنا وعضونا الآخر، فبوجوده نستطيع أن نسعى ونحقق ما نبتغي ونريد، كقول كلكامش بعد فقدان صديقه: «أواه أنكيدو كنت الفأس التي تدعمني، التي تثق بها ذراعي، السكين في غمدي، الدرع التي أحملها، حبلي العظيم، الحزام العريض حول خاصرتي، والآن أبعدكَ قدَرٌ قاس عني، إلى الأبد» .
أما القسم الثاني فيكرسه ألبرتو مانغويل للكاتب الألماني الفريد دوبلن تحت عنوان «صوت كاساندرا»، وهو يدور حول مفهوم اللغة ودور الكلمة وسياقها العام في الحياة وعن دور الذاكرة التي تحتفظ باللغة، كونها مخزناً لحفظ الكتاب، والمكتبة مخزناً لحفظ الذاكرات، مستعيناً عبر ذلك بما كتبه دبلن، ذلك الكاتب الألماني المنسي، الفذ والكبير الذي عاش ويلات ومحن الحربين العالميتين الأولى والثانية، وذاق عذابات الرايخ الثالث.
إذاً فاللغة حسب دوبلن هي وسيلتنا لتسجيل تجربتنا عن العالم، وعن أنفسنا، وعن الآخرين. ويُعبِّر في منحى آخر عن القراءة، على أنها الحرفة التي نتمكن عبرها من إعادة خلق تلك الذاكرة، عبر ترديدها وفهرستها، وعبر عكسها على تجربتنا، وعبر السماح لأنفسنا بالبناء.
على ما اعتبرته الأجيال السابقة ملائماً للحفظ. ويستعين دوبلن بسفر أيوب ومعاناته التي قال فيها عن التدوين والكتابة: «ليت كلماتي تكتب، يا ليتها رُسِمتْ في سِفْر، لقد كنت عويناً للعُمي وأرجلاً للعُرج» ملمحاً أي النبي أيوب لوجع ومعاناة وأنين تلك الأيام التي كان فيها نور الله يشمله ويترعه بالضوء والسكينة.
من هنا يرى الكاتب الأرجنتيني الذي له شغف خاص ومثالي بالقراءة، أن القصص، كما ورد في قصة النبي أيوب التي سجلها التوراة وجسدها كحكاية مادية مستمدة من الواقع الحسي والملموس، بإمكانها أن «تساعدنا، بإمكانها شفاؤنا أحياناً وتنويرنا وتبيان الطريق لنا، وقبل اي شيء بإمكانها تذكيرنا بظروفنا… بوسع القصص أن تغذي وعينا، ما يقودنا إلى ملكة معرفة أننا موجودون، على الأقل، ان لم يكن معرفة ماهيتنا».
وحين يتخذ مانغويل من حكاية كاساندرا، تلك المتنبئة اليونانية التي قالت بحصار طروادة وسقوطها من قبل اليونانيين، ولكنَّ لم يصدقها أحد، كونها حين منحها أبولو الحكمة وقبلها في المرة الأولى وضاجعها كي يمنحها الحكمة، ولكن أبولو الإله كان مخادعاً، منحته القبلة وضاجعها فطلب منها في الختام قبلة ثانية، فبصق في فمها، ودلالة ذلك كانت أن تقول الحكمة والنبوءة، ولكن سوف لا يصدقها أحد، هنا يربط مانغويل حكاية دوبلن بقصة كاساندرا حين عاد من أمريكا وقال خطبته للألمان وهم في الأقبية، ولكن الصحافيين لم يتقبلوا ذلك عندما طالب دوبلن بالتعافي بعد غياب هتلر أن يصار إلى تكريس الحرية الشخصية التي ينبغي أن تدمج مع «الموضوعية الصارمة» لتكون الهُوية الجمعية لهم .
يشمل هذا الكتاب الممتع فصولا أخرى، تحمل أيضاً أهمية خاصة، وهي «أحجار بابل» و»كتب دون كيخوتة» و»شاشة هال» وهو فصل مثير، يتحدث في بعض صفحاته عن حياة الكاتب المتشرد والصعلوك جاك لندن، ابن لمنجِّم رحالة، هجر عائلته وتشرد ليعمل في مهن شتى قبل أن تنتابه مهنة الأدب والقصص ويكتب تلك القصص الفانتازية، ذات الحبكة التي تتميز بالمغامرة والإدهاش، فعمل كقاص جوال يطرق أبواب البيوت ليقصَّ لهم حكاياته، فيحصل عبر ذلك على وجبات طعامه. تعلم اللصوصية والشرب والملاكمة، وعمل بحّاراً وشغيلاً في مصبغة للملابس وناقل فحم في محطة للطاقة، وصياد محار، يقرأ البيان الشيوعي لماركس، فيقرِّر الانضمام إلى الحزب الاشتراكي وكان في العشرين من العمر، ولكنه سرعان ما يغادره لافتقار الحزب، حسب قوله، إلى الحماسة وعدم التركيز على الصراع الطبقي .
ألبرتو مانغويل: «مدينة الكلمات» 
ترجمة، يزن الحاج
دار الساقي، بيروت 2016
174 صفحة.

نقلا عن القدس العربي

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.