Menu

متحف أمير الشعراء.. معالم الخلود وطقوس الكتابة في منزل أحمد شوقي

متحف أمير الشعراء.. معالم الخلود وطقوس الكتابة في منزل أحمد شوقي

هناك من الكتاب والمبدعين من يموت في حياته مرتين نظير الإهمال والتقصير، وهناك من يعيش أكثر من حياة، وسوف أركز في مقالي هذا على الصنف الثاني، مستفيداً من وجودي ببيت أمير الشعراء أحمد شوقي والذي تحول إلى متحف، حيث أعمل مديراً للنشاط الثقافي.

الحق أنني لاحظت بقليل من التأمل أنه ليس هناك من نال من الاهتمام الفائق من الشعب والحكومة والقدر (ثالوث الخلود) مثل ما نال أمير الشعراء أحمد شوقي، حيّاً وميتاً، فقد تعاضدت كل الظروف كي يكون شاعراً خالداً.
أما موهبته الشعرية فشيء لا يمكن أن يماري فيه إنسان، قد يختلف البعض حول بعض قصائده من حيث تقليديتها أو انحيازها للبلاط في فترة ما أو غير ذلك، ولكن موهبته الفذة والجبارة شيء لا جدال فيه، وكانت هي أول أسباب الخلود.
أفاض الكثيرون في هذا، ولكن لم يتحدثوا كثيراً عن العوامل الأخرى التي ساعدت على خلوده، ولا تزال.
حين تسير على كورنيش النيل بمصر ما بين كوبري الجامعة وكوبري عباس، سوف تجد لافتة كبيرة تجمع بين اللونين الأزرق والأخضر مكتوباً عليها: (متحف أحمد شوقي)، وحين تنظر عما خلفها، تجد قصراً مهيباً، وسوف تجد بوابة كبرى عليها بعض أفراد الأمن، سوف يطالبونك بهويتك الشخصية كي تدخل، ثم رسوم زهيدة تكاد تشبه الدخول المجاني.
وحين تدخل سوف تشاهد القصر الفخم وحديقة واسعة وتمثالَ خالد الذكر أحمد شوقي يتوسط الحديقة والذي صممه النحات المشهور جمال السجيني.
حين تصعد سيستقبلك موظفون على قدر كبير من الاحترام والسلوك الحضاري والتفاني في العمل، سرعان ما ستعرف أن هذا كان بيت أمير الشعراء، في الأساس، وفي السبعينات حاول أفراد أسرته أو من تبقى منهم أن يبيعوه ثم يهاجروا لأسباب خاصة، حز ذلك في نفسية شاعر وصحفي مرموق في ذلك الوقت هو الشاعر صالح جودت، فكتب سلسلة مقالات على جريدة الأهرام يستهجن بيع القصر ويناشد المسؤولين التدخل. يصل الخبر إلى الرئيس السادات -رحمه الله- فيجتمع بأفراد أسرته ثم بالسمسار الذي اشترى القصر ثم يعطي لكل الأطراف مستحقاتهم المادية، ثم يصدر قراراً رئاسياً بضم بيت أحمد شوقي إلى وزارة الثقافة وتحويله إلى متحف للزائرين من كل بلاد العالم، تمارس فيه الأنشطة الشعرية والأدبية والثقافية. ومن ثم يقف بيت أحمد شوقي (قصره) شاهداً على الخلود قبل أن تتناوله معاول الهدم ويتحول إلى أبنية يسكنها بشرٌ فانون.. وهكذا يقف القدر ليخلد ذكر الشاعر الخالد أصلاً.
سوف تجد شرفة الأمير تطل على النيل، وكل شرفات القصر تدور مع النيل حيث دار، فقد أشرف على تصميم القصر مهندسون إيطاليون. ومن الخلف كان يستطيع أن يرى الأهرام في ذلك الوقت حين كانت منطقة الجيزة منطقة زراعية، لم ترتفع بها هذه الأبنية الشاهقة بعد مكشرة عن أنيابها في وجه المطل. وكان شعار شوقي: (النيل من أمامي والأهرام من خلفي)، ويا له من شعار يجسد عبقرية هذا العقل في تفاعله الكوني وتخليق لحظة الإبداع، وكل من قرأ شعر شوقي، يعرف أن جزءاً من أبدع قصائده وأخلدها كان في هذين الملهمين.
حين تدخل ستجد قاعة فسيحة كان يسميها القاعة الرئيسية أو قاعة البهو الشرقي، وكانت مجمع الأدباء والمثقفين والفنانين والصحفيين وكبار رجالات الدولة، إذ قلما كان شوقي يدخل دون أحد من هؤلاء.. كان كريماً، حلو المعشر، وكان لديه ما يشبه الصالون الأدبي والثقافي في هذه القاعة. ولسوف يعيد القائمون على المتحف فكرة هذا الصالون في ما يعرف بـ(صالون أحمد شوقي الثقافي) تخليداً لروح الراحل وجلاسه وذلك الزمن الخالد، والذي أشرف بإدارته كواحد من أبرز الأنشطة المقامة والذي يستقطب الشعراء المصريين والعرب، ويعده الكثيرون مدرسة شعرية نقدية معاً يقصدونها ويجدون فيها متعة كاملة.
تبلغ هذه القاعة قمة الفخامة والجلال والروعة، إذ تمتلئ بنقوش أندلسية وعربية أصيلة تزينها، وتزدان بآية من سورة البقرة تحيط بأعلى القاعة من كل الجهات، حيث تدور معها بدءاً وانتهاءً. هي الآية 177.
بينما يتوسط هذه القاعة التمثال والذي كان يعتز به أحمد شوقي أشد الاعتزاز، وكذلك أسرته، ألا وهو التمثال الذي أهدي إليه بمناسبة تتويجه أميراً للشعراء في مناسبة غير مسبوقة، والذي أهداه إليه الفنان اللبناني يوسف الحويك، فهو يجسد لحظة خالدة غير مسبوقة لشوقي وأسرته. 
وكان لذلك قصة طريفة، كان النحات يحتاج من شوقي أن يجلس لمدة طويلة، حتى يتفرس ملامحه ويجسدها أمامه، وكان شوقي يملّ، وكان على أولاده أن يجلسوا ليتحدثوا إليه ويتحدث إليهم، إلى أن ملوا هم أيضاً، فاقترحوا عليه أن يستدعوا له صديقاً ثرثاراً عذب الحديث معاً هو (الأستاذ خير الله)، وكان صحفياً لبنانياً، لعله وجد في ذلك فرصة عظيمة للخلود بالحديث الطويل إلى شوقي ومصاحبته الدائمة في هذه الفترة فأطال حديثه ونمقه وفرعه على أفضل نحو، بحيث يجلس شوقي فترات طويلة لا يمل من حديثه، وبذلك يقوم النحات بدوره على أكمل وجه.
هو -إذاً- المعلم الأبرز في هذه القاعة، وحق لشوقي أن يضعه في المنتصف وفي مواجهة الداخل، تخليداً لهذه اللحظة.
أما عن يمينك وأنت في منتصف القاعة الرئيسية فستجد حجرة كبيرة، هي الآن مكتبة للاطلاع، بلا أساس متحفي، إذ تم تسليمها خالية بلا أثاث، كانت في الأساس حجرة لتناول الطعام تحتوي على سفرة كبيرة، إذ كان شوقي كريماً معزاماً، كثير الضيوف والعزومات. 
وهي الآن مكتبة تحوي كل ما يخص شعر شوقي وبعضاً من المراجع الخاصة التي كتبت عنه، بالإضافة إلى مراجع عامة في الشعر والأدب والثقافة، ولا سيما الفن التشكيلي، إذ إن المتحف لا يتبع وزارة الثقافة مباشرة، بل يتبع قطاع الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة بدوره. وكلها كتب حديثة، وليست الخاصة بكتب شوقي نفسه، فللحديث عن مكتبته الشخصية وأهم محتوياتها مكانه.
وجوار حجرة الطعام وعلى يسارها ستجد حجرة أخرى، وكانت هذه الحجرة خاصة بالمدخنين، فمن يتناول الطعام، ويحب أن يتناول مشروباً ما ثم يدخن عليه أن يجلس في هذه القاعة.. وفي مقابلها ستجد حجرة أخرى في المقابل هي حجرة المدير حالياً.. وهي في الأساس لغير المدخنين، إذ بعد تناول الطعام في الحجرة المعدة لذلك، قد يوجد من يدخن ومن لا يدخن.. ومن ثم يعكس بيت شوقي قيماً ذوقية وحضارية رفيعة، إذ لكلٍّ مكانه الخاص الذي يحقق له راحته النفسية دون إزعاج الآخرين.
ويوجد في هذه الحجرة الآن بعض اللوحات النادرة لأعلام ومعالم أوروبية، ما زالت كما هي.
قد تكون هاتان الحجرتان هما الأقل أهمية بالنسبة للقصر، وهما حاليا مكان للموظفين المقيمين في المكان.
بينما الحجرة الأهم في الدور السفلي هي حجرة سماها شوقي باسم خاص هو (عش البلبل) كانت هذه الحجرة في الأساس للضيوف وتسمى حجرة الضيوف أو المسافرين بلغة ذلك الوقت. فقد يبيت فيها من جاء من الأقارب مسافراً ومن تضطره ظروفه للمبيت، معززاً مكرماً.. وبعد ذلك ستكون لها خصوصية شديدة، حين سيطلق عليها شوقي هذا الاسم (عش البلبل) وذلك لأنها خُصِّصَت لفتى نابه في الموسيقى والغناء في مقتبل العمر وريعان الشباب اسمه محمد عبدالوهاب، سوف يعرف فيما بعد، وبعد وفاة شوقي بزمن طويل بـ(موسيقار الأجيال) كان شوقي لماحاً وذكياً، وجد فيه عبقرية مبكرة، فتبناه، جعل له حجرة خاصة في قصره يقيم فيها وأحضر له أساتذة في الموسيقى والغناء والأدب والثقافة، كان يبحث عمن يخلد شعره بالنغم والغناء، وما كان هو أن كلاً منهما خلد الآخر.
ولسوف يستفيد هذا الفتي من كل العلاقات التي كان يمتلكها شوقي، وكان شوقي نفسه يعرفه على كبار الشخصيات في كل المجالات، ولذا بزغ نجمه مبكراً في الأوساط الغنائية والأدبية والفنية، وسرعان ما شق طريقه نحو المجد بإمكاناته اللحنية والغنائية الفذة.
هذه الحجرة محببة إلى قلبي، حينما أدخلها أشعر أني انتقلت إلى عالم آخر، لأنها بالفعل عش هادئ، تكاد تنساب فيه الألحان وأطياف الإبداع من كل حدَب وصوب، حجرة بها هدوء واضح يذكرك بجو المبدعين ويستدعي أرواحهم، إن لم تكن تطوف بالمكان وتقيم فيه من حين إلى آخر دون استدعاء، وهذا شعور يسيطر علي بمجرد دخولها، إذ تهيأ لعبدالوهاب فيها كل أسباب الإبداع على أفضل نحو ممكن، كما أن عبدالوهاب يذكرني بجدي أيضاً: السنباطي، تلك العبقرية الموسيقية في الألحان، فهو جدي غير المباشر، إذ تنحدر جدة أمي وأخوال أبي معاً للسنابطة مباشرة (عائلة السنباطي).
وإذا تأملت الحجرة ستجد صورة على يمينك تجمع بين شوقي والفتى عبدالوهاب، وإذا دققت النظر سوف تجد صورة كتابة أسفل الصورة نصها: (سلم لي على محمد) وهي جملة من بين الجمل التي نطق بها شوقي قبيل وفاته، موصياً الخادم بالسلام على الجميع وخص بالذكر ولديه عليّاً وحسيناً ثم عبدالوهاب، لما له من مكانة أثيرة. فقد دعا الخادم أن يستدعي كل من في البيت في الساعة الثانية ليلاً في ساعته الأخيرة على وجه الأرض، ثم طلب منه الرجوع، لأنه شعر أن المنية واتته، والوقت قد أزف، فأملى عليه وصاياه، وطُبعت الجملة أسفل الصورة تخليداً لهذه العلاقة وهذه المكانة.
بينما في الداخل تجد وكأنك في جناح خاص في فندق، منعزلاً عن الجميع، فهناك حمام خاص، ودولاب خاص، وباب خاص للخارج، للدخول والخروج كالباب الرئيسي للقصر، ينتهي بشرفة جميلة، دون اختلاط أو إحراج بالنسبة لمن هم في القاعة الرئيسية أو باقي الحجرات.
وقبل أن تخرج ستجد أيضاً مستنسخات من أهم النوت الموسيقية لمحمد عبدالوهاب في الوقت الذي ألف فيه هذه الأشياء في حجرة (عش البلبل) تم وضعها على الجدران ولا سيما بجوار صورته مع شوقي لتعبر عن لحظات الإبداع الخالدة حيث مهبط الإلهام الفني في هذا المكان الخالد.
كما ستجد بعض مذكرات محمد عبدالوهاب عن هذه الحقبة من حياته توجد في برواز في ركن ما بحيث تشير إلى هذه الفترة.
وهكذا تجد كل ما في المكان يوحي بالإبداع والخلود والفن والعبقرية والجمال. لابد أن شيئاً من أرواح هؤلاء العظماء مقيمة حيث تقيم آثارهم الفنية.
وحين تنتهي من كل هذه الطقوس المبهجة والتي يتحدث من خلالها التاريخ ويدوي صوته في كل مكان. سوف تكون أمامك رحلة خاصة جداً أهم من كل ما سبق بكثير، ألا وهي الصعود إلى الطابق الذي كان يسكن فيه أحمد شوقي وأسرته بوجه خاص، والذي يحتفظ بكثير من الأسرار النادرة. وهذا مجال حديث آخر.

نقلا عن المجلة العربية

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.