Menu

الاجتهاد في السياسة دون الأمراض الأخرى د. كمال الهلباوي

الاجتهاد في السياسة دون الأمراض الأخرى  د. كمال الهلباوي

لم أستطع هذا الأسبوع أن أكتب مقال الوطن ولا مقال صوت الأمة، ولا أن أستكمل مقال السيناريوهات المحتملة في مصر نظرأ لسفري إلى غزة العزيزة بإذن الله تعالى، من أرض فلسطين المحتلة.

كان سفري إلى غزة للمشاركة في ندوة مع بعض ورش عمل عن حقوق الإنسان في الفترة من 5-7/3/2013، برعاية معهد بيت الحكمة، الذي يرأسه الأخ العزيز الدكتور أحمد يوسف بالإشتراك مع مؤسسة جنيف لحقوق الإنسان.

الاجتهاد في السياسة لا حدود له، يصل في طرف منه إلى العصيان المدني وفي طرف آخر إلى استدعاء الجيش لادارة البلد مرة أخرى، وبين هذا وذاك دعوة للمشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة ودعوة للمقاطعة ثم تؤجل المحكمة الادارية العليا الانتخابات فتتيح فرصة للتنفس الطبيعي أو الصناعي أيهما تختار القوى السياسية المتصارعة. والجميع ينكر العنف ولكنه قائم، وكأن شيئاً لم يتغير في هذا المجال، بل أحياناً إزداد سوءاً عما كان عليه المشهد من قبل. بعض الذين يدعون إلى العصيان المدني يئسوا من تحقيق أهداف الثورة، ويئسوا من الاصلاح في الفترة الانتقالية وفق معالم النظام الديموقراطي المستورد من الغرب.

وهناك من يقاطع ويدعو للمقاطعة لأن الانتخابات جزء من نظام كفري ومخالف للشريعة، وهناك من يدعو للمقاطعة لأن الانتخابات ليست مضمونة وليست في صالح القوى غير الإسلامية. والذين يدعون إلى المقاطعة في الانتخابات يئسوا أيضاً من الوصول إلى البرلمان في الانتخابات القادمة، ومن امكانية إسقاط النظام القائم رغم فشله الواضح في إدارةالبلاد خلال ثمانية أشهر مضت حدث فيها عنف لا مثيل له وقتل وسحل وإعتقال وإكراه وتحرش واغتصاب حتى لبعض المعتقلين. والحرية تتيح المشاركة والمقاطعة دون إتهام لأي طرف لأنها تنبع من رؤية سياسية أو مصلحية.

والذين يدعون إلى المشاركة طبعاً هم الجالسون في الحكم على رأس النظام ويدركون أن المقاطعة تصب في صالحهم لأن نسبة المشاركة في الانتخابات وصحتها غير محددة في الدستور، أو هم واثقون في القدرة على الفوز لارتباطهم بالشارع وطبيعة هذا الشعب.

الانتخاب بشكل من الأشكال، يراه بعضهم أنه يصــب في صالحهم وفي صالح فوزهم مثل بعض الشخصيات ذات الوزن السياسي حتى من الليبراليــــين في دوائــــرهــــم. وهناك من يضمن النجاح حتى لو كانوا من الفلول أو المرتبطين بالنظام البائد، فالانتخابات تحكمها مصالح وضوابط لم تتغير في معـظمها حتى بعد الثورة، وتحتاج في المستقبل إلى إحلال ثقافة جديدة بضوابط جديدة.

المقاطعون يستخدمــــون سلاح المقاطعة كوسيلة للضغط على النظام الحاكم للتنحي أو تغيير أسلوب الحكم وإيقاف مسلسل الأخونة وتغيير الحكومة القائمة لسوء أدائها وتعديل الدستور، وتغيير بعض مواد قانون الانتخابات كما أوصت بذلك الدستورية العليا، ويريدون ذلك حتى لو عاد الجيش إلى السياسة وإدارة البلاد، وهم يعلمون أن هذا لا يمكن أن يتم من الداخل فقط. وربما كانت زيارة كيري والرغبة في إتصال أمريكا بالجميع والتنسق معهم تتعلق بهذا الأمر فضلاً عن مناقشة الأوضاع الاقتصادية. أمريكا يهمها الاستقرار السياسي في مصر إذا كان يصب في الحفاظ على مصالحها وأمن إسرائيل، وإلا فالفوضى وسلاح الهيمنة غير مستبعد، بما في ذلك التدخل العسكري لضمان تلك المصالح بعد تهيئة الأسباب لذلك.

إذا أدرك من في الحكم ومن يدعون إلى المقاطعة أو المشاركة مصالح هذا الوطن فإن الانقاذ الحقيقي للوطن يكمن في الاستقلال الوطني التام، والاختلاف أو التنوع في الرأي والاجتهاد السياسي لا يكون أبداً ضد مصلحة هذا الوطن، وكذلك إحترام إرادة الشعب، يجب أن تكون دائماً هى الركن الحاضر، علماً بأن النجاح في إدارة البلاد له علامات وأمارات لم تتضح للأسف الشديد خلال مدة الأشهر الثمانية الماضية. الاستقرار جزء من النجاح والمقاطعة سلاح، والمشاركة هي السلاح الأقوى، إلا إذا وقع العصيان المدني في معظم المحافظات وربنا يستر. فلنترك السياسة جانباً لنتأمل في جزء من الوضع السيئ الآخر.

تصدمنا الأحداث والوقائع المؤلمة، وبعضها قد لا نستطيع له دفعاً فهو من القدر الذي لا نستطيع أن نفر منه، وأحياناً يكون من المقدور الذي ساهمنا في شدته وقسوته، بإهمالنا أو سوء سلوكنا وتفكيرنا أو تصرفنا أو سوء الأداء. وكان السلف الصالح رضوان الله عليهم، يفرون من قدر الله إلى قدر الله تعالى. ولذلك ينبغي علينا أن نفر من الجهل الواقع علينا أو القائم فينا إلى العلم الذي يذهب تلك الجهالة سواء بفعلنا أو بفعل غيرنا لأننا أمة إقرأ، وأمة التفكير في خلق الله تعالى وفي هذا الكون العظيم، ولكننا لا نفعله، وإن فعلناه فبشكل غير دقيق، رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم، علّمنا: أن الله كتب الاحسان على كل شئ.

وعلينا أن نفر من المرض إلى أسباب العلاج حتى في السياسة. ونحن نؤمن أن الله تعالى هو الشافي المعافي 'وإذا مرضت فهو يشفين'. كما أن الفقر، نتيجة الكسل والاهمال جريمة يحتاج إلى علاج وعلينا في مصر فوق-ضرورة الخروج من- ذلك الثالوث، الجهل والفقر والمرض، أن نسعى ذلك السعي الجاد، وذلك بحسن استخدام الأدوات اللازمة لهذا الخروج، فالخروج من دائرة الجهل يحتاج إلى مدارس تتكامل فيها العملية التعليمية بجميع أركانها، من المدرسين المؤهلين المخلصين، ومن المناهج الملائمة للعصر والعمر، ومن الطالب الذي يرسله أهله لكي يتشكل، وهو أمانة في عنق المدرسة والمدرسين. ومن المبنى الملائم للدراسة والمجهز بالأدوات اللازمة حتى لا يفر الطلبة إلى المدارس الخاصة، حرصاً على حياتهم مهما كلف ذلك أولياء الأمور.

ومن أركان العملية التعليمية كذلك التسهيلات اللازمة لتشكيل العقل وإجراء البحث والقراءة كالمعامل والمكتبات، والملاعب اللازمة لبناء الأجسام والوحدة الصحية اللازمة، للكشف الطبي مع الطلبة والاطمئنان على سلامتهم كل صباح إن أمكن. وكل تقصير في أحد أركان العملية التعليمية يقابله تقصير في تحصيل العلم وإجراء البحوث والتقدم العلمي وانعكاسات ذلك على التقدم العام واضح في مصر وضوح الشمس لايحتاج إلى دليل، رغم الامكانات الهائلة والنعم الكبيرة البشرية والمادية التي أنعم بها الله تعالى على مصر ولكن معظمها قد يضيع أو هو مدفون في التراب أو لا يظهر للعيان بسبب التخلف أو غيره.

ويشارك في التثقيف الضروري، المؤسسات الأخرى المعنية مثل المؤسسات الثقافية العامة والمؤسسات الاعلامية التي للأسف الشديد تعلم الشعب صراع الديكة بدلاً من التنافس الصحيح، وتركز على السياسة بدلاً من السياسات والاستراتيجيات وإكتشاف المواهب اللازمة لبناء المستقبل. هذا بالنسبة للجهل.

أما بالنسبة للفقر الذي نحن فيه فيرجع إلى أسباب عديدة ليس منه أبداً قلة الموارد أو الامكانات أو النعم في مصر، ولكن مرجعه إلى الجهل الذي لا يعين في استخراج تلك الموارد والامكانات الهائلة، ومرجعه أيضاً إلى سوء الاستخدام أو استخدام الرجل في غير موضعه، والوقوع في شرك الحروب الفاشلة التي لم نستعد لها جيداً قبل الدخول فيها، ويرجع أيضاً إلى استيراد أسلحة لم نحسن استخدامها ولا تطويرها، فسبقتنا دول كنا نسبقها، وهبطت العملة بعد الثورة في بلادنا ولم يعد لها قيمتها التي كانت حتى أيام الملك المخلوع وأيام الاقطاع وأيام الاحتلال البريطاني لمصر.

حررنا بلادنا من ظلم الملوك والرؤساء من الاقطاع القديم ومن الاحتلال البريطاني ومن مبارك وأركان حكمه فقط، ولكننا سمحنا لظلم جديد وإقطاع جديد وهيمنة أمريكية أسوأ وأشد قسوة وقهراً من الاحتلال البريطاني. هذا بالنسبة للفقر، أما بالنسبة للمرض فأعتقد أن كل من له مريض فاضطر لزيارة طبيب أو مستشفى يدرك معنى المرض البدني والنفسي والسلوكي والأخلاقي الذي في مصر. القصص كثيرة وفي كل بيت منها ما يكفي للحديث طويلاً.

بحثنا لمريضة في المنوفية والغربية عن أشعة بالرنين المغناطيسي الذي يتحمل وزنا أكبر من 120 كيلو جرام فلم نجد، والمريضة تشكو من آلام في الظهر نتيجة تأكل بعض الفقرات، فاضطر الأهل إلى استئجار سيارة إسعاف من شبين الكوم إلى القاهرة لعمل تلك الأشعة مرتين، لأن المرة الأولى لم تكن كافية أو واضحة وكل أشعة يدفع أهل المريضة حوالي ألف جنيه، ثم جاءوا بعربة إسعاف لتنقل المريضة إلى مستشفى شبين الكوم مرة أخرى لمتابعة العلاج. خدمات طبية قليلة ورديئة ونظام طبي ضعيف، وتكاليف للعلاج باهظة لأن معظم المستشفيات الحكومية تطلب الأدوية والأدوات اللازمة من خارج المستشفى ويدفع تكاليفها أهل المرضى أغنياء كانوا أو فقراء. وبعض الأطباء يكون في حرج من ذلك. ولذلك تكثر المعارك في المستشفيات أو يموت المريض في انتظار الدواء. هذا بعيداً عن السياسة حتى لا يغضب من يغضب من الحديث في السياسة.

والله الموفق

 

' مستشار مركز دراسة الحضارات في لندن

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.