Menu

عقل جديد (لوطن) جديد بقلم هشام الحملمى

عقل جديد (لوطن) جديد بقلم هشام الحملمى

والوطن ليس هو الجغرافيا والتاريخ فقط الوطن هو أهلة وناسه... عماله وفلاحيه وجنوده ومثقفيه وعلماؤه وساسته.. وأظن أنه قد جاء وقت التفكير العميق في مستقبل قد جاء بالفعل..

هناك حالة قلق وتوتر تدعونا جميعا إلى عدم الرضا عما نرى وتحثنا جميعًا  على أن نبحث في كل مكان عن خيارات الحلول التى تدل وتشير إلى مستقبل أفضل.. ومع أن حالة القلق والبحث  هذه يتم التعبير عنها الآن بطرق غير مقبولة وأحيانًا بطريقة خطيرة ومؤذية.. إلا أن الحقيقة تظل كما هي.. وهي أن مصر غير راضية عن الطريقة التي تدار بها العملية السياسية..

أي إدارة سياسية تتطلب أن يكون لديها هدف استراتيجي مطلوب تحقيقه وأن يكون هذا الهدف موضع إجماع أو أغلبية وأن يكون محددًا وواضحًا وأن تكون له إمكانية فعلية وقابلة لتحققه وأن تكون هناك مشروعية تجعل هذا الهدف مقبولًا ليس فقط لأصحابه وإنما للجميع.. المشروعية ليست فقط الانتخابات والقوانين وإن كانت تلك الإجراءات أساسية فى تكوين المشروعية.. إنما هي أيضًا قيم وأخلاقيات تظلل الناس كلهم وتحمي الناس كلهم وتطمئن الناس كلهم.. وأخيرًا أن تتكفل الحياة السياسية بأن تعطي إدارتها لأصلح وأنضج الكفاءات المهيأة لتحمل المسؤولية.. وأن تمنح قوى الوطن حقها في الرقابة على إدارة العملية السياسية كلها في إطار من الاهتمام الدءوب والمناقشة العميقة والمتابعة الدقيقة.

من خلال هذه المحددات علينا جميعًا أن نتسلح بعقل جديد لمواجهة مستقبل جاء بالفعل.. جاء مسبوقًا بطوفان جرف أمامه حطامًا وركامًا كثيرًا من ماضي مليء بالتشوهات والخطايا.. والأهم والأخطر أن هذا الطوفان غطى الحاضر بسيوله الكثيفة حتى إنه لم يعد واضحًا بالقدر الكافي ما الذي يجري.

الإدارة السياسية الحالية عليها أن تتسلح بعقل جديد تنظر به إلى باقي قوى الأمة نظرة تقدير واعتبار.. لا يستمد فقط من عملية (الانتخاب) التى لم تتطور بعد إلى حالتها المثلى في مجال الحركة السياسية.. فالانتخابات جماهير.. والجماهير وعي.. والوعي تم حصاره في سجن الاستبداد أكثر من نصف قرن.. وعليه فالنظر إلى المشروعية والمشاركة  من خلال الانتخابات فقط وهو وإن كان صحيح إجرائيًا إلا أنه يفتقر إلى الإنصاف في إدارة العملية السياسية.. الأمر الذي يتطلب من أصحاب الأغلبية ضميرًا عادلًا لتحقيق معضلة التوافق.. لن نتهم الجماهير بل سنمعن فى إدماجها  جيلًا بعد جيل حتى يتم الارتقاء بوعيها السياسي إلى المستوى المنشود في حضورها كأهم رقم يضبط معادلة السلطة والحكم.. لكننا وحتى الوصول إلى هذا الوعي علينا أن نكون من أهل الإنصاف والشرف.. فلا يكون الصندوق فقط هو معيار القبول والرفض.. الحضور والغياب.. المشاركة والإقصاء. ويحدونا الأمل كثيرًا في أخلاقيات الإنصاف والشرف كون أصحاب الأغلبية (رساليين).. أصحاب رسالة يعرفون للأخلاق جدارتها في قراءة الواقع ومعاملته.. وهو ما قد يدفعنا إلى توقع حدوث ذلك فى الانتخابات البرلمانية القادمة.. ليس هذا هو منطق الأخلاق فقط ولكنه أيضًا منطق السياسة.. وعلى من يريد المزيد فليقرأ تجارب التاريخ في مراحل التحول والانتقال التي مرت بها الأمم والشعوب..

التيار الإسلامي العريض عليه أيضًا أن يتسلح بعقل جديد فيعمل على تأكيد الفصل بين الجماعة (الضمير الهادي إلى الخير) والحزب المنخرط في العملية السياسية.. في الحكم كان أم في المعارضة.. أعلم أن ما أقوله دونه والتطبيق معوقات كثيرة بعضها نفسي يتصل برغبات البشر في الجاه والنفوذ.. وبعضها تنظيمي يتصل بضوابط العمل الجماعي.. وبعضها فكري يتصل بالقناعة والفهم لمراحل التحول ومطالب التكيف مع إشكالية (الفكرة والواقع).. لكن التاريخ يخبرنا أن الوقوف أمام دوامات التغير والانتقال ليس أمرًا صحيحًا.. وقديمًا سمعنا عن أنصار(لويد محطمي الآلات). الذين رفضوا التكيف مع الثورة الصناعية وأخذوا فى تحطيم الماكينات والآلات. ظنًا منهم أنهم بذلك مانعوها من تغيير الواقع.. وللأستاذ البنا جملة شديدة الروعة في التعامل مع قوانين التاريخ وسنن الحياة.. (لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلّابة ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد) ومازال للأستاذ البنا تلاميذ كثر فى التيار الإسلامي العريض ..

التيار السلفي عليه أيضًا أن يتسلح بعقل جديد ويعلم أن الإصلاح الاجتماعي هو ميدانه الحقيقي مهما كانت مغريات العمل الحزبي فى الشهرة والمجد والمكانة الاجتماعية..ومازال الإصلاح الاجتماعي هو الأكثر قوة وعمقا فى كل مدارات الإصلاح وفى نهاية الأمر سيؤول مآله إلى السياسة ..التدريس فى المراحل الابتدائية أكثر تأصيلا وتأثيرا فى كل مراحل التعليم..وما يأتي بعده ليس إلا تحصيل الحاصل..وما رأيناه مؤخرا من تراشقات ومخاتلات بين الإسلاميين ليس إلا باكورة مرة المذاق لثمرات(حب الدنيا)والتنافس عليها كما تنافسها الأسبقون الذين تركوا لنا سيرة غير عطرة..وأنا ألح في الرجاء نصحًا وإخلاصًا للتيار السلفي ولكل من يحبوه ألا يضيعوا (الفرصة السانحة)..فى الأخذ بيد الناس إلى صحيح الدين وترك العمل الحزبي..ولا تزال سيرة الحسن البصري علامة منيرة للمهتدين.

التيارات الليبرالية واليسارية هي أكثر أبناء الوطن حاجة إلى(العقل الجديد) فهم وللآسفات الشديدة مصرون على ارتداء الثياب البالية التي حدثنا عنها توماس كارلايل التى رأى فيها أن الناس تجاه الملابس البالية تصيبهم أزمة (بعضهم يتعامى عن رؤية بلى هذه الثياب وبعضهم يتردد كثيرا قبل أن يستبدلها بثياب جديدة وبعضهم يسارع فورا إلى استبدالها بثياب جديدة)..لا يطلب أحد منهم أن يتركوا يقينياتهم القديمة.. فقط عليهم أن يدركوا مكونات الواقع ببصائر جديدة.. خاصة المكون الأهم في حياة الأمم والشعوب وهو(الدين)..وقد أشرت كثيرا من قبل إلى أفكار(هابرماس) الفيلسوف الألمانى بن مدرسة فرانكفورت النقدية حول مرحلة(ما بعد العلمانية) و (المابعديات) فى الغرب تباع الآن فى محلات البقالة.. ما بعد الحداثة ..ما بعد النظرية..ما بعد الايدولوجيا .. ما يعنينا هو هذه النظرة التصالحية التى يقدمها الرجل فى الموقف من(الدين)..والتى تحمل كثيرا من تجاوز قصة (الكنيسة والملك) فى التاريخ الأليم لعلاقة أوروبا بالدين.. ولما نذهب بعيدًا؟ ونموذج العميد طه حسين من أبدع النماذج فى المباعدة والمقاربة حول(الفكرة الدينية)التي هي بؤرة الاستقرار فى العقل البشري.

الإعلام لا يحتاج فقط إلى عقل جديد ..ولكنه أحوج إلى أخلاق جديدة ..فقد أظهرت لنا الثورة نماذج إعلامية شائهة ..تكاد تحتويها رواية (المرايا) لنجيب محفوظ ..فلدينا (صقر المنوفى) دنيء النفس ولدينا (فتحي أنيس) عظيم القسمات الذى إذا رايته حسبته (باشا) وهو لا يكف عن التسول ممن حوله..ولدينا (شرارة النحال)..وآه وألف آه من شرارة النحال الذى بدأ عامل تليفون ثم انتدب للعمل فى مكتب وكيل الوزارة..والقصة مليئة بنماذج من تلك الآمساخ التى تطل علينا فى الأماسى والمآسي.. يتقيأون تارة ويتجشأون تارة وهم في كل (التارات) ليس لهم إلا هم واحد يقض مضاجعهم  ومراحيضهم.. وهو هدم التجربة الوليدة.. وسرقة الحلم من عيون الناس وصدورهم. كم يبدو شكلهم مضحكًا وكم يثيرون الرثاء لحماقتهم.

(فلا رحم الله امرؤ باع دينه**بدنيا سواه وهو للحق رامق).

يقولون أنة فى غيبة عظائم الأمور ينشغل الناس بالصغائر ..والعقل الجديد يقول لنا على لسان (المتنبى )

على قدر أهل العزم تؤتى العزائم** وتأتى على قدر الكرام  المكارم.

وتعظم في عين الصغير صغارها **وتصغر في عين العظيم العظائم.

ولك أن تختار بين أن تكون عظيما أو صغيرا.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.