Menu

«المنتفضون» لغوته: الصراع بين «الثورة من فوق» و «الثورة من تحت» : بقلم إبراهيم العريس

«المنتفضون» لغوته: الصراع بين «الثورة من فوق» و «الثورة من تحت» : بقلم إبراهيم العريس

نعرف طبعاً أن الثورة الفرنسية استثارت عندما اندلعت وراحت تسجل انتصاراتها الكبرى، موجة كبيرة من المناصرة والتأييد في طول أوروبا وعرضها، ولكن في شكل خاص في ألمانيا المجاورة، حيث كان الفكر التنويري سائداً ويبحث عن سند سياسي له. ونعرف طبعاً أن ذلك الحماس عاد وخفت تدريجياً مع استتباب ما سُمّي بعصر الإرهاب، ثم اختفى تماماً حين بدأ نابوليون حملاته على الدول الأوروبية محطماً كل مثل أعلى ثوري ومخيباً في شكل خاص آمال المثقفين والمتنورين التي كانت انعقدت على ما يحدث في فرنسا.

ولسوف يكون المفكر والشاعر والأديب وولفاغانغ غوته واحداً من أولئك الذين خاب أملهم بعد حماس، هو الذي بدأ الأمر معه بأن كرّس للحديث عن تلك الثورة كتابات كثيرة لينتهي به الأمر منتقداً بعنف ما يحدث. وفي البداية كان حماسه «الثوري» كبيراً إلى درجة انه خصّ ثورة البلد المجاور بما لا يقل عن أربع مسرحيات قد لا تكون أي منها من درر أعماله، لكنها جميعها لا تخلو من عمق فكري وانتماء معلن للثورة وإيمان بأنها ستغير أوروبا كلها وليس فرنسا وحدها، ناهيك بتيقنه من أن تلك الثورة، ومهما كانت تقلباتها، سوف ترتبط أكثر وأكثر بالفكر الذي يكمن في جذور قيامها. وحملت تلك المسرحيات الأربع عناوين تبدو فرنسية الطابع وهي على التوالي: «القبطي الكبير» و «جنرال الحرس الوطني» و «الابنة غير الشرعية» وأخيراً «المنتفضون» التي تبدو الأكثر علاقة في شكل مباشر بالثورة والتي سنتوقف عندها هنا.

> كتب غوته «المنتفضون» عام 1793 حين كانت الثورة الفرنسية تعيش أول أعوامها وتمثّل بأي حال ذروة المواقف التي اتخذها المفكر الكبير من الفعل الثوري. بل إن النقاد سيسمون المسرحية بأنها شديدة المباشرة وشفافة في الترميز الطبقي والفكري إلى درجة قد تبدو معها أشبه بمنشور سياسي منها بعمل درامي مسرحي. وهذا على رغم الطابع الكوميدي الذي يغلب على مواقفها وعلى شخصياتها وعلى رغم ما فيها من مواقف عاطفية وقلبات مسرحية.

> وتدور المسرحية المؤلفة من خمسة فصول (ضاع منها جزء كبير من الفصلين الثالث والرابع، والفصل الخامس بأكمله، حتى وإن كان المؤلف قد ترك بين أوراقه ما يوضح الأحداث المفقودة على الأقل)، تدور من حول شخصيتين رئيستين هما بريم دي بريمنفيلد، النبيل السابق الذي فقد مكانته الأرستقراطية، وها هو مكتف الآن بالعمل كحلاق في القرية وجراح فيها حين يلزم الأمر ذلك، والكونتيسة النبيلة صاحبة الأملاك والقصر الفخم في القرية ذاتها. بالنسبة إلى بريم، ها هو يتمسك الآن بالأفكار التنويرية والثورية الآتية من فرنسا، ويريد أن يقود بعض الخطوات التغييرية وإن تحت حماية القانون، التي تمكنه من تطبيق إصلاحات لصالح سكان القرية. ومن الواضح بالنسبة إليه أن تلك الإصلاحات سوف تضعه في مجابهة الكونتيسة التي لا يعرف على أي حال أنها هي الأخرى، إذ تعود حديثاً من فرنسا، باتت بدورها محملة بأفكار تغييرية منها ما يدفعها إلى الرغبة في أن تعفي سكان القرية من العديد من التزاماتهم الثقيلة تجاهها. لكنها هي الأخرى، ومن ناحيتها، تريد أن تتم الأمور في شكل قانوني بالاستناد إلى وثائق من المؤسف أنها حين تبحث عنها لتطلق التغييرات من خلالها، ستفاجأ بأنها قد فقدتها. والحقيقة أن بريم كان يحاول من ناحيته أن ينتزع منها الوثائق بالقوة وهو معتقد أنها لن ترضى باستعادة الفلاحين حقوقهم منها. ومن هنا يدور الصراع من حول الوثائق التي كان قد تمكن من الحصول عليها خلسة واحد من موظفي الدولة يعمل لحساب الطرف المعادي لتلك التغييرات. وهنا عند هذا الحد من التداخل بين الأحداث والشخصيات وضروب سوء التفاهم حتى بين شخصيات تسعى إلى الغاية ذاتها ينتهي النص المتكامل الذي كتبه غوته لهذه المسرحية.

> من خلال الصفحات المكتوبة بصورة نهائية، ثم من خلال الفصول الثلاثة التالية التي لم يصل منها بخط غوته سوى ملخصاتها، لن يكون من السهل معرفة إلى أين كان الكاتب يريد أن يصل من خلال مسرحيته هذه. ليس طبعا لأن سياق الأحداث لا يبدو واضحاً، بل بالتحديد لأن غوته لا يوضح مواقفه، وأين يقف هو من تلك الأحداث. ففي نهاية الأمر، إذا حكمنا على الشخصيات من خلال ما نراه أمامنا، سنجدها جميعاً شخصيات كاريكاتورية يكاد القارئ لا يجد سبيلاً إلى التعاطف مع أي منها. سيبدو وكأن الكاتب يضع جميع الشخصيات، مناصرة للثورة كانت أو معادية لها، في سلة واحدة. ومع هذا ثمة استثناءات لا تبدو ذات أهمية فائقة من وجهة نظر الأحداث أو السياق المفترض للحبكة. شخصيات تبدو وكأنها قد أُقحمت لإيجاد نوع من التوازن بين من يتوجب على القارئ – أو المتفرج على الخشبة في حال تقديم المسرحية– أن ينظر إليهم بعين الجدية أو بعين السخرية (ابنة الكونتيسا التي سوف تلجأ إلى القوة كي تستعيد من موظف الدولة الخسيس تلك الوثيقة الشهيرة التي تتيح لمن يمتلكها التحكم في مصير الفلاحين، أو كارولين ابنة بريم التي ينظر إليها أبوها كقديسة صغيرة من دون أن يدري أنها واقعة تحت إغواء فتى لعوب هو ابن عم الكونتيسة... إلخ)، غير أن من الواضح أن هذه الشخصيات إنما تبدو هنا وكأنها مجرد زينة مسرحية لا تقدم ولا تؤخر في مجرى الحدث الرئيس الذي يقوم أساساً على تلك النظرة على متأثرين بالثورة الفرنسية من الأمور ذات الدلالة أن غوته يسميهم «المنتفضون» وليس «الثائرون» منذ وضع عنوان روايته، حيث من الواضح أنه يريد، ولو من طرف خفي أن يوجه سهام نقده في شكل موارب، إلى فئة من المتحمسين للثورة الفرنسية يرى أنهم لا يعرفون أصلاً لماذا هم متحمسون لها، وما هي تلك الثورة حقاً. والحقيقة أن بقية الأحداث كما وصلتنا من الملخصات الخاصة بالفصول النهائية تؤكد هذا، لكنها تؤكد في شكر أكثر خصوصية على فكرة لا شك في أنها كانت تداعب مخيلة غوته: فهو كان يرى أن الأكثر حماسة في بلده ألمانيا للثورة الفرنسية، كانت الطبقات الأرستقراطية– ممثلة هنا بالحلاق/ الجراح بريم حتى وإن كان وضعه الحالي قد جعله أشبه بـ «عزيز قوم ذلّ»، وبالكونتيسة التي هي أرستقراطية حقيقية– فهذان بوصفهما ممثلين مختلفي الوضعين للأرستقراطية يتطلعان إلى قيادة الثورة التغييرية، وهما يأملان ألا تأتي الثورة «من تحت» بأي حال من الأحوال. على المتنورين أن يقودوا الثورة غير تاركينها للغوغاء يتناهشونها. فهل يمكننا أن نعتبر غوته في هذا التفسير الذي لا يصعب على أي قارئ لمسرحيته هذه أن يصل إليه، مناصراً لفكرة أن تأتي «الثورة» «من فوق» لقطع الطريق على أن تأتي «من تحت»، أم أنه ينتقد هنا هذه الفكرة؟

> ليس من السهل الوصول إلى جواب قاطع هنا، حتى وإن كان الأقرب إلى المنطق أن الكاتب يسخر من تلك الفكرة، لكن من دون أن يعبر عن سخريته بما يكفي من القوة... ولعل في إمكاننا أن نطلق هذا الحكم نفسه على بقية مسرحياته المتعلقة بالثورة الفرنسية والتي أشرنا إليها أعلاه. ومهما يكن من الأمر هنا، علينا ألا ننسى أبداً أن وولفغانغ غوته، ذلك المبدع الكبير والذي يُحتفل به دائماً بأنه لا يزال الأكبر– والمفضل لدى الأوروبيين جميعاً من بين الكتاب الألمان، أسوة بفيكتور هوغو الفرنسي وويليام شكسبير الإنكليزي بالنسبة إلى وطنيهما، كان بارعاً في الكتابة الفلسفية وفي الشعر العقلاني وفي المسرح التراجيدي الكبير، بل حتى في كتابة الروايات الرومانطيقية، لكن حين تصل المسألة إلى المسرح الخفيف المعاصر، لا شك أن موهبته تبدو أضأل وإمكاناته التعبيرية الكبيرة تكاد تختفي تحت وطأة لغة هزلية يبدو أنه لم يكن يحسنها. ومن هنا، على الرغم من الأبعاد التي يمكن تحميلها لهذه المسرحية التي نتحدث عنها، وعلى الرغم من رسمه في شكل جيّد للتشابك بين الشخصيات والمواقف، من الواضح أن غوته (1749-1832) بدا عاجزاً عن إيصال فكرة واضحة عما كان يريد قوله. ومن هنا، سيبدو أن علينا الاتكال على العنوان وحده لكي نتوصل إلى قرار ما في شأن وجهة النظر التي يتعين علينا أن نتخذها إزاء موقف غوته المفترض من هذا الموضوع الذي يقدّمه!

نقلا عن الحياة

آخر تعديل علىالثلاثاء, 12 كانون1/ديسمبر 2017 16:53

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.