Menu

أقرب الناس إلى الخيانة..!! : بقلم د.هشام الحمامي

أقرب الناس إلى الخيانة..!! : بقلم د.هشام الحمامي

هذا وصف السيد فلاديمير لينين للمثقفين يا إخوتى وهو يرى ذلك لأنهم كما قال(أقدر الناس على تبرير خياناتهم..) المقولة على إطلاقها غير صحيحة بطبيعة الحال لكن رحلة السيد لينين من منفاه فى سويسرا الى روسيا ليسطو على ثورتها هو أصدقائه البلاشفة بقوة إقناعه المطلقة وإرادته العنيدة كما يقال..أوجدت لديه هذه القناعة التى أصبحت من مقولات التاريخ لسبب بسيط وهو أنه نفسه كان كذلك..وتأملوا قوله بأنه قد يأخذ روبلات من الشيطان نفسه لتحقيق أهدافه الثورية..فهاهو(يبرر)تعامله مع الشيطان(بأخذه)منه فلوس من أجل الأهداف الثورية..المنافق عليم اللسان شخصية موجودة دائما فى كل وقت وحين والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نبهنا إليه .


يقال أن المفكر والروائى الفرنسى جوليان بندا(1867-1956)هو أول من أشار إلى خيانة المثقفين فى كتابه الشهير(خيانة الاكليروس)الذى أصدره عام 1927 بعد الحرب العالمية الأولى ونتائجها المرعبة على المستوى الانسانى والاخلاقى واشتهر الكتاب بعنوان(خيانة المثقفين)تناول الرجل حالة المثقفين الذين تستهويهم إغراءات السلطة والشهرة فتقودهم للدفاع المميت عن مصالحهم السياسية والنفعية على حساب دورهم ومسؤولياتهم الأخلاقية ومن يومها يا إخوتى وصارمصطلح (خيانة المثقفين)واسع التداول والشهرة سواء لانتشار المثقفين أو لانتشار الخيانة..كان بندا يرى المثقف هو ذلك الشخص الذى يفضح الفساد ويحارب الظلم ويقف في وجهة السلطة الغاشمة ويكون فى نهاية الأمر صادقا مع نفسه ومع مجتمعه..شخصا متفردا قادرا على أن يقول كلمة الحق مهما كان وفى وجه من كان..فصيح اللسان شجاع وثائر..تتمثل فيه أركان وكليات الضمير العام..لايرى أن هناك سلطة أو حاكم  أكبر وأقوى من أن يٌنتقد ويٌصوب..بأفعاله وأقواله الصادقة يمنح للحياة قيمتها حين تهدر ويبنى للأرض مجدها حين يهدم..إنه مستودع الأصالة الكاملة يا إخوتى.

هناك كتاب أخر له شهره واسعة أيضا واسمه بالغ الدلالة على أوصاف ذلك النوع من البشر(المثقف الخائن)ألفه الفيلسوف الفرنسى بول نيزان 1895 -1940 اسم الكتاب(كلاب الحراسة)سيستخدم هذا الوصف كثيرا فى نقد المثقفين الذين برعوا فى لعق الأحذية ويتحولوا ببساطة شديدة إلى بلطة فى يد من يدفع .المثقف النذل هو احد كوارث الدولة الحديثة المتسلطة التى تغريه دائما بقوة الامتيازات..(الحظيرة الشهيرة) التى دخلوها كالماعزللاقتراب من السلطة فى جانبها الأكثر دناءة وحقارة.

رغم كل ما كتب عن المثقفين وأزماتهم وأدوارهم وخياناتهم وولائاتهم..إلا أنني أعتبر أن أفضل ما كتب فى نقد المثقفين فى مصرهوكتاب (المبتسرون)للراحلة أروى صالح..الكتاب الذى فضح أسوأ جيل سياسى وفكرى شهدته مصر الحديثة.. وقالت عنهم  أن مشاركتهم فى العمل العام لم تكن الا مجرد وسيله للارتفاع فوق الناس الغلابة .. ومفتاح سهل لغزو الدنيا والتعالى على الناس بعد ان عجزوا عن بلوغ نقطه التقاء مع الواقع...يبحثون لأنفسهم عن دور يبرر وجودهم ويعطيهم أهميه ..

كنت قد كتبت  من قبل عن كتاب الاكاديمى والسياسى الفرنسى الشهيرباسكال بونيفاس(المثقفون المزيفون)..الكتاب كان عاصفة فى الحياة الثقافية والسياسية والإعلامية فى فرنسا بل وفى العالم كله..وحقق مبيعات كبيرة بمجرد نشره وترجم الى العربية ترجمتين احدهما للكاتبة السورية روزا مخلوف والأخرى جزائرية للدكتور عبد الرحمن مزيان

يقول الكاتب فى مقدمة الكتاب(شغلتني فكرة هذا الكتاب منذ وقت طويل فكم من مرة دهشت وانتابني شعور بالغضب أو الضيق عندما كنت اكتشف أثناء جدال عام أن خبيراً نطق بكذبة وأن هذه الكذبة قد مرت مرور رسالة في البريد ..لا أتكلم هنا عن خطأ بل عن كذب متعمد يتحمل مؤلفة مسؤوليته في هذه الحالة..

الخبير المدعو لإيضاح الأمورللجمهور يخون هذا الجمهور ولا يقوم بمهمته..ويستطرد : أنا الذي طالما خشيت من ألا أكون واضحاً أو دقيقاً بما فيه الكفاية,أو من ارتكاب خطأ ,والذي طالما عاقبت نفسي إذا حدث لي ذلك ,يذهلني كل أولئك المثقفين والخبراء الذين لا يتورعون عن اللجوء إلى حجج مخادعة وعن إطلاق الأكاذيب من أجل حصد التأييد. تبدو وقاحتهم وانعدام ذمتهم بلا حدود وتشكل ورقة رابحة وبدلاً من مقابلتهم بالاستهجان العام, يقابلون بمزيد من التهليل.. الكذب الحقيقي يسير على أحسن ما يرام ..مرة أخرى لا أتكلم هنا عن أخطاء يمكن لأي من كان أن يرتكبها غير أن البعض يراكمها دون أن يؤثر ذلك بالهالة التي تحيط بهم ,الرياضي الذي يسجل أداء سيئاً مرة تلو المرة قد يستبعد من التصفيات أما المثقف الخبير فقد ينتقل من خطأ إلى آخر دون أن تتوقف دعوته إلى المنصات , لا هبوط على الأرض مجدداً بعد أن يتم وضعك في فلك وسائل الإعلام.

ويقسم باسكال هذا النوع من المثقفين إلى مزيفين ومرتزقة..المزيفون الذين يؤمنون بقضية ما لكنهم يعمدون إلى وسائل غير شريفة للدفاع عنها ونصرتها..والمرتزقة وهم الأسوأ لأنهم لايؤمنون بغير مصالحهم ولذا يتظاهرون بالانتساب لقضية ما, ليس من باب القناعة بها ولكن لارتفاع مردودها عليهم..يكسبون من ورائها ببساطة شديدة.

ويحاول معرفة سبب جرأة هذين الصنفين على الكذب فيقول بأن قول الحقيقة يتطلب مجهوداً كبيراً من البحث والتحري وأما الكذب فيحسم الجدل لصالحهم سريعاً ولا يحتاج إلا إلى الحبكة والجرأة.. فما أجرأهم وأغلظ وجوههم..ويصفهم بصفات تكاد تكون فى كل مكان

مثلا الثقة المطلقة فيما يقولونه لدرجة تجعل الاعتراض عليهم مجازفة.. بعضهم يروي وقائع وكأنه كان حاضراً مع أصحابها ومواقفهم متسقة دائماً مع السلطة ويشبههم بمسًاحات السيارات تذهب يميناً وشمالاً مع قطرات الماء ولا تثبت على مكان واحد. وتراهم يكثرون من التأكيدات القاطعة والتشخيصات الجنونية ومخالفة الحقائق .. ومن خصائصهم الحضور في كل الشؤون تقريباً وقد يكونون من أصحاب المواهب بيد أنهم أضاعوا مواهبهم في سيل جارف من الكذب والهراء . ومن أدق ماذكره الكاتب أن هؤلاء المزيفين ينسبون لخصومهم مواقف تستحق اللوم لكنها عند التحقيق ليست مواقفاً لهؤلاء الخصوم وإنما هي محض افتراء وفي الغالب تغلق الأبواب الإعلامية أمام هؤلاء الخصوم فلا يستطيعون الرد..

ومن صفاتهم أيضا التأكيدات المجانية دون استشهادات تؤيد ماذهبوا إليه وأن تطرف بعضهم في معاداة بعض التيارات تجعل منهم خبراء في الإعلام وضيوفاً دائمين في الاستوديوهات ومن صفاتهم أيضا أنهم يوردون بعض المصطلحات بتكرار ممل دون أن يقدموا تعريفاً واحداً لها..ومن طريف ما يبتلى به المزيفون إدعاء الخطرعلى حياتهم أو حرياتهم بمجرد توجيه الانتقاد لهم.

الناس العاديون في النهاية يفهمون حقيقة الأمور ولو خدع جانب منهم في البداية فإنهم يفهمون الحقائق في النهاية..لكنها تكون نهاية أليمة ياإخوتى.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.