Menu

معوقات في طريق التغيير : بقلم عبد الرحمن يوسف

معوقات في طريق التغيير : بقلم عبد الرحمن يوسف

قبل عام 2011م، الذي أسعدنا بثورات الربيع العربي المجيدة، كنت أجوب مصر حاملا فكرة التغيير السياسي السلمي، أعرضها على الناس، مبشرا بإمكانية تغيير هذا الواقع الأسود، وكان تقبل الشباب لفكرة التغيير كبيرا، خصوصا أن غالبية هؤلاء الشباب من غير المسيّسين، وغالبيتهم أيضا لا أمل لهم في الحياة في عصر مبارك، حيث أصبحت مصر دولة أسياد وعبيد، مما جعل فكرة التغيير هي خلاصهم الوحيد من الواقع الذي يعيشونه (خصوصا في ظل صعوبات الهجرة التي لا تخفى على أحد).

قامت الثورات، وانتصرت في جولات عديدة، حتى جاء انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013، وتلاه ما تلاه من مجازر وانتهاكات لم ترَ مصر لها مثيلا خلال تاريخها الحديث.

الواقع الجديد كشف عورات، وهز ملسمات، وأسقط شخصيات، وشق جماعات.. وما زلنا حتى اليوم نعاني من آثار ما حدث.

لماذا لا يحدث التغيير الذي طمحنا له جميعا؟

للأنظمة اليد الطولى في تأخر التغيير، ولكني أتحدث هنا عن معوقات التغيير داخلنا نحن معارضي النظام


لا شك أن للأنظمة اليد الطولى في تأخر التغيير، ولكني أتحدث هنا عن معوقات التغيير داخلنا نحن معارضي النظام.

بإمكاننا أن نضع لومنا على الأنظمة المستبدة، واستخدامها للعنف، ولكل مؤسسات الدولة، واستخدامها للإعلام لتشويه الوطنيين.. الخ، ولكن ليس من المنطقي أن نلوم الحية حين تلدغ، بل الطبيعي أن نلوم أنفسنا لأننا لدغنا من الحية نفسها ومن الجحر ذاته ألف مرة ومرة!

لذلك.. أنا أتحدث هنا عن معوقات التغيير داخل الجماعة الوطنية نفسها.. ولا أتحدث عن الأنظمة الحاكمة.

***

السبب الأول: النخبة

يعبر البعض عن هذا الأمر بغياب القائد أو الزعيم، والحقيقة إن هذا التعبير ليس دقيقا، صحيح أن الجماهير تحتاج إلى قيادة، ولكن هناك ثورات نجحت ومرت بفترات كبيرة من عمرها بلا قائد كاريزمي واضح يقود الناس.

القائد عنصر مهم، ولكن غيابه لم يمنع اندلاع عدة ثورات في الإقليم، ولم يمنع الجماهير من الالتحام مع النخب.

مشكلة النخبة أن غالبيتها تنتمي لفترة زمنية لها قوانين سياسية مختلفة تماما عن الفترة التي نعيشها، كما أن المصالح الشخصية والشللية والجماعية والحزبية تغلب المصلحة الوطنية



مشكلة النخبة أن غالبيتها تنتمي لفترة زمنية لها قوانين سياسية مختلفة تماما عن الفترة التي نعيشها، كما أن المصالح الشخصية والشللية والجماعية والحزبية تغلب المصلحة الوطنية في كثير من الأحيان.. ولكن يظل العيب الأكبر في النخب السياسية المصرية والعربية أنها أقرب إلى الهواة منهم إلى المحترفين، وليس ذلك غريبا على أناس عاشوا عمرا كاملا في بلاد ليس فيها أي نشاط سياسي أصلا (والكاتب لا يستثني نفسه).

هذه النخب تتمسك بشرعية وجودها، وبعضهم يتمسك – يا للعجب – بضرورة قيادته هو للمرحلة الحالية، والمرحلة المقبلة، ويصر على إقصاء الشباب من خلفه، بل يتآمر من أجل تكريس الأوضاع التي جعلت العجائز هم القادة في زمن لا يعرفونه، وفشلوا في التعامل معه فشلا ذريعا.

النخب المصرية - مثلا - عجزت عن التوحد، وعجزت عن التعامل مع خصومها، وعجزت عن الحفاظ على احترام حلفائها، وعجزت عن الاحتفاظ بثقة جماهيرها.. ورغم ذلك ما زال القابعون في مقصورة القيادة من جميع التيارات مصممين على الاستمرار في إغراق السفينة حتى تصل إلى قعر المحيط.

لا أستطيع أن أفهم كيف يتجرأ من تجاوز السبعين - وأحيانا الثمانين - من عمره على قيادة الكيانات أو الأحزاب في زمن يتغير كل ثانية، في زمن تجازهم منذ عشرات السنين، وكيف يجرؤون على الزعم بشرعية في القيادة وهم من أوصلوا الوطن والمنطقة كلها إلى هاوية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث، وكيف يغفرون لأنفسهم أنهم ارتضوا تصفية الخلافات الأيديولوجية بين التيارات المختلفة على حساب مطالب الناس الأساسية في لحظة ثورية ذهبية!

***

السبب الثاني: عودة فكرة التغيير بالعنف

من أهم أعراض تراجع الثورة في هذه الجولة، ومن أهم ما يؤخر توحد الثوار، هو عودة فكرة التغيير باستخدام العنف، وبرغم سذاجة الفكرة واستحالة تطبيقها نجد بعض شبابنا يؤمن بها بدافع رد الظلم (إنه إيمان مبني على الشعور بالعجز والرغبة في الانتقام أكثر مما هو اقتناع بأدلة منطقية).

قامت هذه الثورات على فكرة التغيير السلمي، وعودة فكرة التغيير بالعنف في حد ذاتها تعتبر من أشد مظاهر هزيمة الثورات



لقد قامت هذه الثورات على فكرة التغيير السلمي، وعودة فكرة التغيير بالعنف في حد ذاتها تعتبر من أشد مظاهر هزيمة الثورات.. وكل الثوار الذين يروجون هذه الفكرة يدمرون الفكرة المركزية لثورة يناير دون أن يشعروا.

الغريب في الأمر؛ أن فكرة التغيير بالعنف جربتها الحركات اليسارية والإسلامية عشرات السنين على امتداد الوطن العربي، وفشلت جميعها فشلا ذريعا، ولم تنجح أي حركة مسلحة إلا حين كانت أمام جيوش أجنبية صريحة، ترتدي لباسا عسكريا أجنبيا، وترفع علما أجنبيا، بجنود غالبيتهم من غير أهل البلاد، وما عدا ذلك فلم تحقق أي حركة من الحركات التي استخدمت العنف أي مكسب يذكر على مدار السبعين عاما الماضية، خصوصا إذا قارنت ذلك بما حققته ثورات الربيع العربي من أنها خلعت طغاة من كراسيهم بعد عشرات السنين من الحكم، وأجلست مكانهم أناسا منتخبين بشكل أو بآخر في زمن قياسي.

صحيح أن مسار الثورة تعثر، ولكن الحل يكون في تعديله، وتقويمه (لأن المسار السلمي هو الذي حقق هذه النتائج)، وليس الحل بالتأكيد في العودة إلى تجربة العنف التي لم تحقق أي مكسب يذكر على مدار عشرات السنين، بل ثبتت الأنظمة العسكرية في أماكنها وخدمتها خدمة لا مثيل لها.

وبرغم عشرات تجارب التحول الديمقراطي التي أثبتت أن استخدام العنف يؤخر عملية التحول كلها، ويصب دائما في صالح الاستبداد، وأن ثمن العنف يدفعه الجميع وليس الفصيل المسلح فقط.. ما زال البعض يصر على إعادة التاريخ مرة أخرى.. لكي نضيع سنوات أخرى في عنف.. يليه فشل ذريع!

***

السبب الثالث: العجز عن التعامل مع الوضع الإقليمي والدولي

الوضع الإقليمي حاليا مضطرب تماما، وتسكين الأوضاع هو أمنية الأنظمة كلها؛ لأن حالة السيولة التي نتجت عن ثورات عام 2011 ما زالت سائدة، بل إن حالة السيولة تلك تجاوزت دول الربيع لتصل إلى أنظمة من أشد الأنظمة استقرارا (كالإمارات والسعودية مثلا).

الوضع الدولي يحاول اقتناص فرصة وجود أمثال "سيسي" و"حفتر" و"ابن زايد" و"ابن سلمان" وغيرهم في المشهد.. خصوصا في ظل الصراع الدولي على المنطقة.

فقد المعارضون لأنظمة الاستبداد مساحات ضخمة من التأييد الدولي العالمي والإقليمي بسبب انعدام الرؤية


ورغم ذلك، لم تتمكن الكيانات والشخصيات العامة في مصر والعالم العربي من استثمار هذا الوضع الذي يتسم بالسيولة لصالح فكرة التغيير، ولصالح الشعوب العربية.

بل فقد المعارضون لأنظمة الاستبداد مساحات ضخمة من التأييد الدولي العالمي والإقليمي بسبب انعدام الرؤية، ورعونة الأداء، وسيطرة الأطماع الشخصية والحزبية.

السبب الرابع: اليأس!

هذه أيام الثورة، وهي ثورة عمادها الشباب، وإن أسوأ وأخطر ما يواجه هذه الثورات هو يأس جيل الشباب من إمكانية التغيير، واستسلامه للإحباط.

لقد خلقت نكسة عام 1967م جيل النكسة، هذا الجيل الذي أعيدت برمجة أفكاره بحيث يعيش ويموت مهزوما.

معوقات يمكن مقاومتها، والتغلب عليها، تحويلها من أسباب للهزيمة إلى بشائر للنصر


إنه الجيل الذي سيطرت عليه الهزيمة، ولم يُجْدِ معه أي انتصار، لذلك حين عبرت القوات المصرية خط بارليف في تشرين الأول/ أكتوبر 1973؛ لم يغير ذلك من الأمر شيئا، بل واصلت الدولة ومن خلفها الشعب التصرف بعقلية المهزوم، مما أدى إلى ضياع النصر النسبي في اتفاقية مهينة لا تحقق الحد الأدنى من المطالب الوطنية، ولا تحقق المكاسب الموجودة على الأرض بالفعل، وكل ذلك لأن العدو كان يتفاوض بعقلية المنتصر، أما نحن فتفاوضنا ونحن مهزومون من الداخل.

هناك من يحاول أن يحول جيل "يناير".. إلى جيل نكسة جديدة!

هذه معوقات التغيير الرئيسة في رأيي.. وهي معوقات يمكن مقاومتها، والتغلب عليها، تحويلها من أسباب للهزيمة إلى بشائر للنصر، إذا أحسنا التصرف، وإذا وحدنا جهودنا من أجل هذا الوطن العزيز المبتلى بحكامه.. وبمعارضيه!

نقلا عن عربي ٢١

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.