Menu

الملك ...: بقلم أيمن الصياد

الملك ...: بقلم أيمن الصياد

قبل سنوات ثلاث، وبدعوة كريمة من القائمين على الأمر، كنت ضيفا على المملكة للحديث عن التحولات السياسية في الوطن العربي. كان عنوان الندوة، في المملكة التي نعرف تاريخها لافتا: «الإسلام السياسي .. والدولة الوطنية». وكانت أسئلة الشباب الذين احتشدوا في قاعة الملك فيصل للمؤتمرات مثيرة للانتباه. وكانت المداخلات النسائية القوية التي جاءت «من وراء حجاب» أكثر إثارة ومدعاة للاهتمام. يومها أدركت أن شيئا ما يتغير. وأن الربيع / التغيير قادم، وإن تأخر. 

أحسب أنْ ليس لأحد أن يجادل الآن في أنه بات «ملك القرار» أو هكذا يتصرف، في تلك المنطقة من العالم، ليس نهاية باتخاذه قرار استقالة رئيس الحكومة «اللبناني»، كما ليس بداية ربما بقرار الإرجاء (لأجل غير مسمى) إنشاء القوة العربية المشتركة، التي حاولت مصر إنشاءها، وبعد أن كان رؤساء الأركان قد تداعوا فعلا إلى مقر الجامعة العربية للتوقيع والاحتفال (٢٧ أغسطس ٢٠١٥). يومها كان الملك (الذي كان مازال «وليا لولي العهد»!!) قد قرر إنشاء قوة إسلامية مشتركة «بزعامة» المملكة، ولم يكن من اللائق بمقامات الملوك أن تنازع رغبته رغبةُ آخرين.

لا أعرف إن كانت الرسالة يومها قد وصلت. ولكني أعرف أن مصر التي أُجهض مشروعها في إقامة قوة عسكرية عربية مشتركة، لم تتردد في تسليم السيادة للمملكة على جزر تيران الاستراتيجية، في خطوة تغير أولا موازين القوى الاستراتيجية في المنطقة ولا يستفيد منها «عسكريا» غير إسرائيل. وتمنح ثانيا «الملك» الشاب الفرصة للإعلان عن مشروعه «الإقليمي» الضخم، الذي سيكون في أحد جوانبه، بحكم ما أعلن عنه جغرافيا أرضية اقتصادية لقاطرة سياسية ستكون إسرائيل حتما أحد مستقليها.

ثم كان بدا فيما بدا تحضيرا لمغامرة لبنانية، أن «الملك» لم يستشر حلفاءه «المحليين». فالملوك أصحاب قرارهم. قرأنا ذلك واضحا فيما بدا من قلق في تصريحات للرئيس المصري، أربكت الإعلام، هنا وهناك ولو إلى حين.

***

لكل مُلك (كما لكل سلطة سياسية) شرعية، ومشروعية. ولا يجادل من يعرف تاريخ المملكة أنها قامت على تحالف بين أسرة الملك الموحِد «سياسيا وعسكريا» والمذهب الوهابي «أيديولوجيا». تغيرت العصور والسياقات والطموحات، وجرت في النهر مياه كثيرة تستوجب رؤية مختلفة ومراجعات. وبدا أن الشاب، القادم من خلف صفوف كثيرة تسبقه، مرشحٌ لأسباب «واقعية» عدة لتولي المهمة. وبدا الأمر للذين أرهقهم انتظار التغيير مبشرا. كما بدا للذين اعتادوا «البيعة» مناسبة أخرى لإثبات الولاء ومزيد من التصفيق. إلا أنه كان للذين يبحثون حقًا عن مستقبل مختلف وتغيير حقيقي، فرصة لا تعوض للتأكيد على ضمانات «مؤسسية» بدونها يصبح التغيير شكليا. ويصبح سؤال «شرعية ما بعد الأسرة والمذهب» قائما ومقلقا، إن لم يكن هناك من يدرك أن «الشرعية المعاصرة» البديل ليست مجرد شاب في القصر، بل تعني نظاما «معاصرا» للحكم يقوم على مواطنة حقيقية، وملكية متساوية لثروات البلد، ومشاركة حقيقية للناس، كل الناس (لا الأسرة) ومفاهيم مختلفة لما عُرف بأهل الحل والعقد. 

لا أعرف إن كان هناك من يملك أو ينوي أن يمضي قدما في مثل هذا الطريق إلى نهايته، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون أعراض تغيير «طارئ» لقواعد حاكمة وضعها الملك المؤسس، واستجابة لا بديل عنها لمعطيات رياح تعصف بالمنطقة، وبكل ما كان قد استقر فيها. كما لا يمكنني القطع بأن ما جرى في المملكة قبل أيام من اعتقالات «داخل القصر» تحت لافتة الفساد هو محض «خطوة حسم» لصراع محتمل أو مفترض على السلطة، كما ذهبت الصحافة الغربية، وإن كان المشهد، وإن تباينت التفاصيل لم يكن بأقل درامية من مشهد انحناءة القبلة الشهيرة للملك القادم ليد ابن عمه الأكبر يوم أخذ منه ولايه العهد. كما أعرف أن الإقصاء كأسلوب لحسم صراعات السلطة ليس اختراعا سعوديا بل لطالما عرفناه عائليا في الخليج، ودمويا في العراق وسوريا، ودعائيا في مصر بالحديث عن استكمال الثورة (١٩٥٤) أو مراكز القوى (١٩٧١). 

***

شجرة العائلة (فبراير ٢٠١٥)

«الشرعية المعاصرة» البديل ليست مجرد شاب في القصر، بل تعني نظاما «معاصرا» للحكم يقوم على مواطنة حقيقية، وملكية متساوية لثروات البلد، ومشاركة حقيقية للناس

ما جرى في المملكة هو «ثورة» بكل المقاييس. ولكن هل للممالك أن تثور؟ وهل من «ملك» لا يكره الكلمة، ولا يرغب في حذفها من القواميس؟!

هنا ربما تكمن المعضلة. في المملكة «ثورة». هذا حقيقي. ولكن لا ثورة ناجحة، إلا لو اكتملت شروط نجاحها. تغيير حقيقي لبنية النظام لا الأشخاص؛ أسماءً أو أعمارا. أو حتى ألقابًا. ففي تاريخ ما بعد الثورات، عرفت منطقتنا للأسف «جمهوريات ملكية»؛ لا تقل استبدادا، وفسادًا.. بل «وتوريثًا» للعرش. الذي هو السلطة تعريفًا، مهما اختلفت القبعات، أو البزات. أو النخب؛ قبلية كانت أو عشائرية أو حزبية أو عسكرية.

لا ثورة ناجحة، إلا لو اكتملت شروط نجاحها. تغيير حقيقي لبنية النظام، ليعرف المعنى الحقيقي للمواطنة، الذي يعني المشاركة في ملكية «الوطن»، بلا تمييز أو تهميش أو إقصاء. مشاركة في اتخاذ القرار، تتطلب حرية تعبير «حقيقية»، وآليات «معاصرة» للمحاسبة والمساءلة. 

ما جرى في المملكة هو «ثورة» بكل المقاييس. ولكن لا ثورة ناجحة، إلا لو اكتملت «وتنزهت».

يحق للمرأة في المملكة (ونحن معها) أن تفرح بقرار تأخر كثيرا يسمح لها بأن تقود سيارتها، مثل نساء العالمين.

ويحق للمواطن السعودي «غير مصدق» أن يبتهج بأي أنباء تتحدث عن مكافحة الفساد. فهو عايش عقودًا من الفساد الممنهج والمعتاد. ولكن مثل تلك الأخبار السارة، حَرية بأن تدفع الحريصين عليها (ونحن معهم) إلى التنبيه إلى حقيقة أن مكافحة حقيقية للفساد لا يمكن لها أن تتحقق دون شفافية، ومؤسسية، وقضاء مستقل، وحرية رأى وتعبير. 

جميلٌ أن تقرر مكافحة الفساد، ولكن الأجمل أن تكون هناك «شفافية» تحوْل دون أن يلوك سيرتنا هذا وذاك، فتقرأ في كل صحيفة أن القرارات «انتقائية»، وأنها لا تهدف إلا إلى مزيد من الاستئثار بالسلطة، فضلا عن تمويل موازنة بدت رغم ما كان من ثراء منهكة. (بمناسبة الشفافية، يُذكر أن لا بيان رسميا حتى الآن ذكر لنا أسماء المحتجزين من أمراء وكبار رجال الدولة). 

في قرننا الحادي والعشرين، جميل أن تنفُض المملكة عن كاهلها ركاما موروثا من الإرهاب الفكري يتمثل في تنطع تكفير ديني لهذا وذاك. وجميل أن ينتبه من ينتبه إلى أن عقودا من الفساد «المنظم» المعتاد، والمتعارف عليه ومسكوت عنه أوهنت القوى الاقتصادية المفترضة لبلد يعوم على النفط؟

ولكن لا معنى لأن نقاوم إرهابا فكريا يتمثل في تكفير ديني، ثم لا يستوقفنا إرهاب فكري بديل يتجسد في قدرة صاحب الأمر والنهي أن يمنع هذا أو ذاك من الكتابة أو الحديث أو «التغريد». أو أن تؤدي توجيهاته «السامية» إلى حبس هذا أو تغييب ذاك، حجبًا لرأيه المعارض (أو الناصح) أو توقيًّا لتأثير هذا الرأي على متابعيه. كما لا معنى لأن تعمل على مكافحة الفساد «المنظم» دون  ندرك أنْ لا سبيل حقيقيا لمكافحة الفساد، هنا وهنا وهناك، وفي العالم كله، دون شفافية، ومؤسسية، وقضاء مستقل، وحرية رأى وتعبير.

باختصار، جميل أن تعمل على مكافحة الفساد، والتطرف، ولكن هذا لن يؤتي ثماره إلا لو أدركت بداية أن «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة».

***

في رقبة الملك أغلال كثيرة، بعضها ورثه، والآخر هو صاحبه (بغض النظر عن «الدوافع» والأسباب). أولها، خارجيا: نزيف سياسي ودبلوماسي والأهم «إنساني» في الجنوب. في الموروثات، يحتاج ملوك العرب وشيوخ قبائلهم إلى اصطفاف عشائري «أو عقائدي»، كما يحتاجون إلى  «حرب» يشرعنون بها سلطتهم. ولكن يبدو أن هناك من لم ينتبه إلى أن تضاريس اليمن أشد وعورة مما يظن.

وثانيها، ملف سوري (على النقيض) وقفت فيه المملكة بكل قوتها، (قبل أن يقفز الدب الروسي إلى المشهد) إلى جانب إزاحة طاغية كانت آخر جرائمه «الإنسانية» الموثقة أنه قتل نفر من شعبه بالأسلحة الكيميائية. 

لا أحد يعرف على وجه التحديد ماذا سيفعل الملك القادم في ملفين ثقيلين كهذين، سرعان ما أضيف إليهما ما قد يكون الأصعب: لبنان، وتوازناتها التاريخية «والإقليمية» الدقيقة.

لا أحد يعرف على وجه القطع ما هي الخطة «الملكية» لإغلاق أبواب فتحت، وأخرى تنتظر. غير أن المقطوع به، أو يكاد هو رهانه غير المضمون على هذا الجالس في واشنطن

***

لا مستقبل بلا سلام. ولا ازدهار بلا استقرار. ولكن لا سلام ولا استقرار بلا عدل

أجرم حزب الله بلا شك في حق تاريخه، كما في حق الإنسانية كلها بما فعله في سوريا «العربية» دعما لطاغية دموي.. لا عذر هناك.

كما لا أحد يجادل في حق المملكة، وحلفائها الخليجيين في الدفاع عن استقرار بلدانهم في وقت يعاد فيه ترتيب معادلات القوى في الشرق الأوسط، فتثبت إيران أقدامها، رغم حصار اقتصادي طويل. ولكن الرهان على تحالف علني (أو خفي) مع العدو القديم «الحقيقي» إسرائيل، بمنطق أن «عدو عدوي هو صديقي»، أظنه يحتاج ليس فقط إلى قراءة التاريخ، وإنما إلى التنبه إلى حقائق الحاضر، ومنها ما ذكرناه هنا مرارا وتكرارا:

١ـ أن الصراع «العربي ــ الإسرائيلى» لم ينته بعد. ولا تبدو له نهاية «عادلة» في أفق تحكمه غطرسة إسرائيلية بادية، ووهن عربي ظاهر، وعالم شُغل بحرب مفتوحة على الإرهاب.

٢ـ أن لا ازدهار اقتصاديا بلا استقرار. ولا استقرار بلا عدل.

٣ـ أن لا سلام مع عنصرية دينية تجسدها «دولة يهودية نقية» كما يقول المشروع الصهيوني المعلن، تكرس الهوية الدينية والطائفية كأساس لخرائط المستقبل وصراعاته. ولا أظن أن هناك تهديدا للاستقرار والأمن في هذه المنطقة الفسيفسائية أكثر من صراعات التفتت والهوية.

***

لم تكن الحرب أبدا نزهة، كما نتائجها لا تحسمها أبدًا أوامر «الملوك»

لم تكن الحرب أبدا نزهة، كما نتائجها لا تحسمها أبدًا أوامر «الملوك»، فالذين ذهبوا إلى اليمن (مارس ٢٠١٥) مازالوا هناك، بعد أن أخذت «العاصفة» في طريقها كثيرا من سمعتهم «الإنسانية على الأقل». والاسرائيليون الذين ذهبوا إلى لبنان غزوًا (١٩٨٢) تركوا وراءهم «حزب الله» موحدا للأغلبية الشيعية، ليصبح سريعا اعتمادا على أيديولوجية جامعة، وسلاح إيراني القوة الضاربة الأولى «واقعيا» الموجعة لإسرائيل. وهو الأمر الذي بدا جليا في حرب ٢٠٠٦.

لم تكن الحرب أبدا نزهة، ولن تكون. وما دفع صدام حسين، بحثا عن أوهام الزعامة إلى الحرب تحت رايةالقادسية (١٩٨٠) بتشجيع وتمويل خليجي وعربي، لن يدفع بنتنياهو إلى مثلها في سياق مختلف وزمن مختلف. 

لم تكن الحرب أبدًا نزهة، ولكن في المشهد رئيس أمريكي «عنيد» لا يعرف عن الشرق الأوسط غير أسواقه، وشاب سعودي «عنيد» يضع كل أوراقه، أو معظمها على الأقل على طاولة المكتب البيضاوي مراهنًا على علاقة ظهرت فجأة، ثم سرعان ما تجاوزت «بقوانين البيزنس» كل تقديرات المراقبين. 

عندما أضاءت ألوان الليزر واجهة فندق «ريتز كارلتون» الذي أقام فيه ترامب في زيارته الأولى إلى بلاد الحرمين الشريفين، كانت الرهانات بادية. فالرجل الذي وصل بالمفاجأة إلى الغرفة البيضاوية في البيت الأبيض، هدفه الأول، كما كان يفعل الفراعنة دائما، هو محو تاريخ سلفه. وفي التاريخ اتفاق مع إيران، الشيطان الجديد، أو «العدو» الحقيقي، في أدبيات الملك القادم، (لا إسرائيل) «التي لم تعتد علينا أبدا»، كما بدأت الآلة الإعلامية في الترويج الناعم. اتفقت المصالح إذن. وميكافيلي لم يمت أبدا. 

يومها استُدعى ما يزيد على الخمسين زعيما لدول إسلامية ليجتمع بذلك القادم من واشنطن. وكان المشهد الحاشد، في التحليل النهائي، صولجانا آخر، أو دليلا آخر على مكانة «الملك»، التي تتجاوز الجغرافيا / الإقليم إلى ما هو أبعد. 

ولأن الزائرين لا يخرجون أبدا من حضرة الملوك بيد فارغة (ما بالك لو كانوا سماسرة)، فقد عاد ترامب «بالوظائف»، وباتفاقات وعقود تصل إلى ٤٠٠ مليار من الدولارات.

***

وبعد..

فللشباب طموح وجموح مقدر ومفهوم. ولعوامل لا تخفى على أحد بات كثير من تفاصيل الأيام القادمة رهن قرار «الملك»، الذي يدرك جيدا أن الآخرين جعلوه واقعيا «ملك القرار».

.................

نعرف أن طريق المستقبل هو طريق الشباب بالتعريف. ونعرف أن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة. وقرأنا الرؤية «المبشرة» للملك القادم لمملكة ٢٠٣٠، ورأينا كيف هي «الأفكار» في الاتجاه الصحيح. ونرجو فقط أن تكون «الإجراءات» على الأرض هي أيضا كذلك، وليست مجرد خطوة لتكريس دولة / سلطة الرجل الواحد. فالسلطة المطلقة ليست فقط مفسدة مطلقة، كما يقول القول المشهور، بل هي أيضا كفيلة بإجهاض كل الأحلام الرومانسية العظيمة. لمن شاء أن يقرأ ماركس، وتجربة النظم الشيوعية. ولمن شاء أن يقرأ في تجارب الخلافة الإسلامية ما بعد الراشدة. 

فقط اقرأوا التاريخ.

نقلا عن الشروق

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.