Menu

مصطفى محمود ورحلته على درب اليقين : بقلم د..هشام الحمامي

مصطفى محمود ورحلته على درب اليقين : بقلم د..هشام الحمامي

الثلاثاء القادم يكون قد مرعلى وفاة د/مصطفى محمود 8 سنوات (31/10/2009) بعد أن قضى فى الدنيا 88 عاما فهومن مواليد 1921 وحق له علينا جميعا أن نذكره ونذكرتلك الثمانين التى ترك بعدها أثرا واسعا عريضا فى الثقافة الإسلامية والتحليل السياسى والعطاء الاجتماعي والخيرى الوفير


حياة الرجل تقدم نموذجا مثاليا للإنسان العادى الذى يقرر ويريد أن يحيا حياة غيرعادية ويترك بعد موته أثارا تملأ الحياة وتنفع الناس وهوما حدث منه ومعه بالتمام والكمال ..وأصبح جزأً أساسياً من الحركة الثقافية والفكرية الفاعلة فى أمته. ولسوف يكتب فى الثقافة والفكرما يقرب من 100 كتاب كلها من أوسع الكتب انتشارا وتوزيعا ولسوف يقول فى الإعلام ما يقرب من 400 حلقة من أشهر البرامج التلفزيونية فى مصروالعالم العربى(العلم والايمان)والتى كان ينتظرها البيت المصرى كل يوم اثنين.                                                                           لكن القوى التى تقف خلف الستارلن يرضيها ذلك..إذ يتم وقف هذا البرنامج بأمرشخصى من حسنى مبارك ..لأنه فى حقيقة الأمركان يساهم بدوركبير فى تعميق مفاهيم الدين فى النفوس فهماً وإيماناً وفكراً وسلوكاً وبالتالى يصب فى خانة التيار السياسى الاسلامى الخصم اللدود للسلطة فينقص من رصيدها كل يوم ويزيد فى رصيده,,سنعرف أيضا بعدها أن ذلك كان ضمن خطة واسعة شملت المجتمع كله ضمن سؤال سياسى كبير:إذا كان فائض التدين فى المجتمع يصب فى صالح تيار سياسى يخاصم الدولة وربما جزء من المجتمع؟ فلماذا لا نغلق مصادر دعم هذا الفائض المزعج ؟ وهو سؤال سياسى وليس سؤال دينى على فكره, فالسلطة بالأساس_أى سلطة_ تكون مشغولة بأمنها واستقرارها .. لكن ما لم ينتبه إليه كثيرون وقتها أن ذلك الأمرالجلل والخطيرسيكون ضرره كبير للغايةعلى المجتمع كله وهو ما أشار إليه العلامة الكبير د/حامد ربيع وكتب ذلك صراحة فى مقال نشرعام 1989 بمجلة( كل العرب)التى كانت تصدر فى باريس فى ثمانينيات القرن الماضى(25/9/1989م)عن أهمية مراجعة التيار السياسى الإسلامي لدوره فى التطورالاجتماعي والأخلاقي داخل المجتمعات العربية..ولازال ذلك السؤال الكبير يلح إلحاحا:الأمة كدولة أم الأمة كهوية ؟؟ الأمة ككيان روحى..ككيان فكرى..؟؟ وطبيعى ومنطقى بعدها :ككيان سياسى.                                                        اختبارالقوة والنفوذ والزعامة وضع الجميع على محك السؤال.. يقول مصطفى محمود هنا محذرا: شهوة الحكم إذا أصبحت حلم المناضل المسلم فإنه غالبا ما يفقد إسلامه قبل أن يصل إلى الكرسى  .                                                                                                             مصطفى محمود نفسه كان له فى هذه الظاهرة الهامة رأى جيد يقول:التيار السياسى الاسلامى هو صناعة رأى عام إسلامى قوى ومؤثر وليس صناعة انقلابات وهدفه أن يصبح الرأى العام الاسلامى من القوة بحيث يصبح ملزما للحاكم وموجها له فى جميع قراراته ولايوجد حاكم لا يحسب للرأى العام ألف حساب..خطأ الحركات الإسلامية فى الماضى أنها حاولت ضرب الحاكم وقلب نظامه فدخلوا السجون..شهوة الحكم إذا أصبحت حلم المناضل المسلم فإنه غالبا ما يفقد إسلامه قبل أن يصل إلى الكرسى.. وله مقولة فى هذا السياق أيضا جديرة بالفهم فيقول لمن يتهم الإسلام بعدم احتوائه على نظرية فى الحكم: أن ذلك من كمال الإسلام وميزته فلو نص القرآن على نظرية للحكم لسجنتنا هذه النظرية كما سجنت الشيوعيين ماركسيتهم فماتوا بموتها..كل الأيدلوجيات التي حاولت المصادرة على تفكير الناس وفرضت عليهم نهجاً مسبقا ثبت فشلها .
التجربة الذاتية لمصطفى محمود فى المعرفة بالله سبحانة وتعالى جديرة بالتأمل الدائم والإشارة المستمرة لها كرحلة سعى بالغة النجاح والتوفيق فى الطريق إلى الله بعد أن استبدت به العدمية وهو يقول عن ذلك:احتاج الأمر إلى ثلاثين سنة من الغرق في الكتب وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل وتقليب الفكرعلى كل وجه لأقطع الطرق الشائكة من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين..ثلاثون عاماً من المعاناة والشك والنفي والإثبات..ثلاثون عاماً من من التفكر والتدبر..ثلاثون عاما من الدوافع الصادقة التى تملكته وسارت به وبنا فى درب اليقين والخلاص..درب إخراج الإنسان من دائرة هواه ليكون عبد الله اختيارا كما هو عبد الله اضطرارا..والثابت عنه أنه في فترة شكه لم يلحد فهو لم ينفِ وجود الله بشكل مطلق(لأنه كده يبقى عبيط خالص !!) ولكنه كان عاجزاً عن إدراك فكرة الإيمان الخالص..كان عاجزاً فقط عن التعرف على التصور الصحيح لمعنى الإيمان بالله سبحانه وتعالى..هذه التجربة صهرته بقوة وصنعت منه مفكراًكبيرا..فسار بين الناس والحياة بالمعرفة لتغيير الواقع وليس لمجرد التعبيرعنه.
ثلاثون عاماً من إعمال العقل والفطرة طرحت فى مساراتها له ولنا أسئلة كثيرة انتشلته من أعمق أعماق ظلمات نفسه ..وإذا بدفق الحياة الحقيقى يتدفق بعذوبة ويفيض فيقدم أروع كتبه وأعمقها (حوار مع صديقي الملحد) (رحلتي من الشك إلى الإيمان)(التوراة) (لغز الموت) (لغز الحياة)وغيرها من الكتب شديدة العمق في هذه المنطقة الشائكة..
عام 2015 أصدرت مجلة الأزهركتابه الشهير(حوار مع صديقى الملحد)بدراسة وتقديم وتعليق العلامة د.محمد عمارة ووزعته هدية مجانية..وصف الدكتورعمارة الكتاب بأنه من أمتع وأجمل وأدق وأروع ما كٌتب في موضوعه وقال:مصطفى محمود يعد واحدا من فرسان الكلمة الإسلامية الذي فقه أصول الإسلام وفقه الواقع الإسلامي واستشرف المستقبل..وللاعتبار فقد دار بين الرجلين الكبيرين جدل حاد بعد صدور كتاب(الشفاعة)لمصطفى محمود وللأسف أخذ الموضوع حجما كبير وساهم في ذلك خصوم(الفكرة الإسلامية)لكى يسحبوا من مصطفى محمود جمهوره الكبير خاصة من الشباب الذى لم يجد ما يكفيه من المعرفة والتزكية الروحية لدى التيارالسياسى الاسلامى. إلا أن فضيلة الدكتورنصر فريد واصل قال وقتها:الدكتور مصطفى محمود رجل علم وفضل ومشهود له بالفصاحة والفهم وسعة الاطلاع والغيرة على الإسلام فما أكثر المواقف التي أشهر قلمه فيها للدفاع عن الإسلام والمسلمين والذود عن حياض الدين وكم عمل على تنقية الشريعة الإسلامية من الشوائب التي علِقت بها وشهدت له المحافل التي صال فيها وجال دفاعاً عن الدين...د فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة وأحد الخصوم التقليديين للحركة الإسلامية بكل أنواعها يقول فى وصفه للرجل: من المؤكد أن الدكتورمصطفى محمود إنسان سعيد الحظ فهو بوصفه كاتباً ومفكراً قد اكتسب شعبية واسعة أتاحت لكتبه أن تكون أوسع الكتب انتشاراً على مستوى العالم العربي كله وهو في شعبيته هذه يتخذ أمام الجماهير الواسعة مظهر المفسرالديني والحكيم والفيلسوف والعالم المطلع صحيح أنه في مجال التفسير لايرضي معظم رجال الدين المتخصصين ..سواء منهم أصحاب وجهة النظر المحافظة أو المتحررة وأنه في مجال الفلسفة هاو يسهل على أي مشتغل في هذا الميدان أن يكتشف نقص معلوماته وضعف منطقه.. وأنه في ميدان العلم قد توقف على ما يبدو عند السنوات الأولى في فترة دراسته الطبية مضافا إليها قراءات سريعة لكتب مفرطة في التبسيط أي أنه بالاختصار ليرضي المتخصصين في أي ميدان من هذه الميادين الثلاثة..ولكن فيم يهم رضا المتخصصين إذا كانت الجماهير الواسعة قد أصدرت حكمها لصالحه وأصبحت تتخذ منه مصدرها الأوثق وربما الأوحد في فهم حقائق الدين والفلسفة والعلم؟ الواقع والعقل يكذبان هذا الرأي يا د/ فؤاد..الرجل للأسف الشديد كان ممن غمسوا أنفسهم فى الوهم الخادع.. عاش ومات خادعا مخدوعا..وكان يكن كراهية شديدة للشيخ الشعراوى ومصطفى محمود رحم الله الجميع.
بالطبع لايمكن إلا المرورعلى أهم ما كتب مصطفى محمود فى السياسة والتحليل السياسى وأشيرهنا إلى جزء من رأية فى(البكباشى)قائلا:كان جمال عبد الناصريحارب في الكونغو واليمن ويرفع رايات القومية والاشتراكية في كل مكان من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي وكان يهتف مخاطبا كل مواطن مصري:ارفع رأسك يا أخي ولكن المواطن المسكين والمخدوع لم يكن ليستطيع أن يرفع رأسه من طفح المجاري ومن كرباج المخابرات ومن خوف المعتقلات ومن سيف الرقابة ومن عيون المباحث..وساد مناخ لا يزدهر فيه إلا كل منافق..وأصبح الشعارهو الطاعة والولاء قبل العلم والكفاءة..وتدهورت القيم..وهبط الإنتاج وارتفع صوت الغوغاء على كل شئو..عاش عبد الناصرعشرين عاما في ضجة إعلامية فارغة ومشاريع دعائية واشتراكية خائبة ثم أفاق على هزيمة تقسم الظهر وعلى انهيار اقتصادي وعلى مائة ألف قتيل تحت رمال سيناء وعتاد عسكري تحول إلي خردة وضاع البلد وضاع المواطن..هكذا شهد الرجل وقال بما رأى وعلم.
مذكرات الدكتورمصطفى محمود(400 صفحة)صدرت منها 11 طبعة!! حررها الصحفى المعروف  السيد الحرانى (دار اكتب للنشر والتوزيع)وهى مهمة للغاية للشباب والسياسيين أيضا.
وأخيراً إذ يٌذكر مصطفى محمود ويٌذكرمعه حضورالعلم والإيمان..إلا أن العمل الصالح كان أيضا حاضرا بقوة فأنشأ عام 1979م مسجدا(مسجد محمود)يتبعه 3مراكز طبية تهتم بعلاج ذوي الدخل المحدود ويقصدها الكثير من أبناء مصر البسطاء ويضم المركز أربعة مراصد فلكية ومتحفاً للجيولوجيا. 
 هذه هى الرحلة غير العادية لإنسان عادى ..عاش فى الدنيا واضح الأفعال متكامل الشخصية طاهرالدوافع وتركها وترك فيها أروع الأثر واستحق عن جدارة أن يختار في عام 2001 ضمن أكثر مائة شخصية مؤثرة في القرن العشرين.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.