Menu

عرابى والسادات و(سبتمبر)الحزين : بقلم د.هشام الحمامي

عرابى والسادات و(سبتمبر)الحزين : بقلم د.هشام الحمامي
وفي 9/9/1881كانت الثورة قد وصلت إلى ذروتها حيث تحركت كل القوات العسكرية في القاهرة إلى ميدان عابدين يتوسطهم عرابى وإذ رأى المصريون ذلك كذلك فحزموا أمرهم وقرروا أن يكونوا جزء حيا من تاريخ جديد يصنع أمامهم 
وفي  5/9/1981 وبعد مرور مائة عام سيأتى ضابط متقاعد من الضباط الأحرار(أنور السادات) ليعتقل فى ليلة واحدة 1536 مصريا من المعارضين لأرائه بمختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية والدينية..كان الرجل قد قضى فى الحكم يومها 11 عاما وكان لديه من العمر 63 عاما قضى منها ما يزيد على أربعين عاما فى السياسة والصراع على الدنيا التى تقلب فيها وتقلبت عليه ورأى فيها ورأت منه كل عجيب وبما كان يكفى ويزيد ليجنب نفسه وبلاده ما كان. 
..............
كل المصريين بلا استثناء شاركوا فى ثورة عرابى فقد كان البؤس الاقتصادى قد بلغ حدا لا يحتمل وكان الوعى الوطنى والدينى يزداد كل يوم .. كان السخط والغضب يعم المكان كله  فها هو رياض باشا رئيس الوزراء يعامل المصريون بقسوة وتكبر وكما تكون يكون رجالك وقد كان رجاله فى جهاز الإدارة كله  يفعلون الشىء نفسه , وصل أحمد عرابي القصر وخرج له الخديوي توفيق وسط حرسه الخاص وأعلن عرابي عن مطالب الجيش والشعب للخديوي والذى وافق عليها كلها :عزل رئيس الوزراء و وزراؤه / أن يكون مجلس النواب برلمانا كامل المسؤولية كما فى أوروبا/ زيادة عدد الجيش إلى 18 ألف جندي 
وعين شريف باشا رئيسا للوزراء وكان رجلا مشهودًا له بالوطنية والاستقامة(وكنت قد كتبت عنه من أسبوعين) فشكل الوزارة 14/9/1881م وكان محمود سامى البارودى(مجدد الشعر العربى فى العصر الحديث) وزيرا للحربية بها وكان مع شريف باشا وعدد كبير من رجالات الوطن الكبار قد وضعوا دستورا للبلاد اقره مجلس النواب .
 بعد سنة بالتمام والكمال 14/9/1882  سيدخل الانجليز القاهرة  ويمكثوا بها 75 عاما ..وسرعان ما ساءت الأمور التى بدت مضيئة.
..............
يقولون أن التاريخ مليء بالحروب والمعارك والانتصارات والانكسارات ومواقف الشرف والنصرة ومواقف الخيانة والخذلان وهناك انتصارات رسخت أمم بحدودها الجغرافية وقيمها الفكرية والحضارية ومصالحها الاستراتيجيه وهناك هزائم خلخلت أمم وأسست بنفسيه الهزيمة وتوابع الهزيمة لما بعدها طويلا وتاريخنا العربي المعاصر يتذكر جيدا هزيمتين ليستا ككل الهزائم .. الأولى هزيمة عرابي فى التل الكبير والتي أسست للاستعمار البريطاني في مصر والشرق العربي كله وإقامة دولة يهودية في فلسطين ولو أن عرابي كان قد قدر له ان  ينتصر في عام‏1882‏ كما انتصر المصريون من قبل علي حملة فريزرعام 1807  لتغيرميزان القوي في المنطقة العربية كلها‏.. والثانية بالطبع هى 1967م وهى الهزيمة الولود التى تلد كل يوم هزيمة حتى يومنا هذا.
يقولون إن حركة الجيش عام 1881 والتي انتهت إلى ما انتهت إليه تم الافاده منها وتوجيهها فى الاتجاه المعكوس؟ إذ مثلت ذريعة قويه للجيش البريطاني باحتلال مصر والبقاء بها 75عاما والانجليز بطبائعهم الموروثة أساطين فى المكر والتلاعب بالأحداث وتوجيه مسارها وهو ما كاد يجمع عليه كل من اشترك فيها وأرخ لها فيما بعد  وضع ألف خط تحت (فيما بعد) من البارودى إلى الشيخ الإمام محمد عبده حتى قاده الجيش الكبارالذين رافقوا عرابى (عبد العال حلمى وعلى فهمى ) ولكن هل يمكن تجاهل هذا الإجماع الشعبى الكبير الذى احتضن هذه الحركة فى كل مراحلها ؟؟هل نغفل أن كبار رجالات الأمة وأعيانها الذين دعموها وساندوها  فى اجتماعهم الشهيربوزارة الداخلية  والذى تقدمه شيخ الأزهر(الشيخ محمد المهدى) وقاضي قضاة مصر ومفتيها ونقيب الأشراف وبطريرك الأقباط(البابا كيرلس الخامس)وحاخام اليهود والنواب والقضاة والمفتشون ومديرو المديريات وكبار الأعيان وكثير من العمد فضلا عن ثلاثة من أمراء الأسرة الحاكمة ؟؟من الصعب قبول ما كتب عن هذه الثورة الكبيرة والتى كان مؤيدوها كل هؤلاء القادة والرواد والعلماء .. المؤكد ان هناك خيانات كبيرة حصلت وتلاعبات كبيرة جرت..ويكفى خيانة ديليسبس والتى لا يلام فيها إلا من صدق ديلسبس! كانت حركة عرابى أهم نقطة تحول فى التاريخ المصرى المعاصر.. وأسفاه الصورة الزاهية ليس بها ما يسر الخاطر. سيمكث الانجليز عقودهم السبعة وسيأتى أحفاد عرابى ليتسلموا منهم البلاد وسيأتى معهم زمن الأسئلة الأخيرة:من انتصر ومن انهزم ؟؟ فكان البكباشى وهزيمته الولود والتى لا يمكن مقارنتها بهزيمة التل الكبير ولامقارنته هو نفسه بأحمد عرابى . ثم يأتى بعده اليوزباشى كاتم أسراره وأكثرزملاؤه الضباط خبثا ومكرا وتأتى معه ألوان التلاعبات والانحرافات (رغم إشراقة 6 أكتوبر وظلها المجيد) ويخوض بالمصريين المغامرات تلو المغامرات حتى كان سبتمبره الشهير.
اللجنة الرباعية التى شكلها اليوزباشى السادات لاعتقال 1536 مصرى كان بها الفريق أول متقاعد حسنى مبارك(نائبه)والفريق أول ابوغزالة وزيردفاعه ولواء شرطة /النبوى اسماعيل وزيرداخليتة .فى صبيحة يوم الاعتقالات نشرت الصحف عن ثورة العمل الداخلي(الأهرام)وعن الثورة الجديدة(الجمهورية) وربط معظم الصحفيين وقتها بين قرارات الاعتقال وبين ثورة عرابى والتى حدثت فى نفس الشهر كما ذكرنا . مات السادات ومات تقريبا كل الصحفيين الذين صفقوا له على ثورته السبتمبرية , كان السادات كغيره من الطغاة قد شرب حتى الثمالة من كأس السلطة وازدحمت حوله الساعات التى راحت تخبو فيها كل الآمال وتهامس الهامسون:أن إحراز التقدم على حساب الحرية السياسية لا يمكن أن يكون ..لاتقدم ولا حرية ولا سياسة. وجاء مبارك وفعل بالمصريين أسوأ مما فعل السادات وجاء الصحفيون وصفقوا له كما صفق الذين من قبلهم تقريبا مات مبارك ومات أغلب الصحفيين الذين صفقوا له .. يا لضخامة الخيبة , إنهم لم يقرؤوا التاريخ !.
كريستوفر ويلسون روائى وصحفى انجليزي صدرله مؤخرا رواية اسمها(حديقة الحيوان)مزج فيها بين الحقيقة والخيال عن نموذج (الدكتاتور)واختارالاتحاد السوفيتى السابق فضاء لخياله(وهى غير مزرعة الحيوانات التى كتبها جورج اورويل ) كريستوفر كتب فى جريدة الجارديان البريطانية  فى 23 أغسطس الماضى عن أهم عشرة كتب تناولت الطغيان والطغاة..الحاصل أن روايته كما قال كتبها عن الفترة الزمنية الأخطر فى تاريخ الاتحاد السوفيتى (1953) ما بعد الحرب العالمية الثانية وحكم ستالين.
يقول الكاتب: فى الرواية أنت تعيش فى مدينة , التاريخ يعاد كتابته فيها يوميا! والناس فيها مما يمكن الاستغناء عنه بسهولة , تماما كالذباب , يختفون ولا يٌعرف أين يذهبون ؟ وفى المدينة صحيفتان وطنيتان:(الحقيقة) و(الأخبار)ومع ذلك (ليس هناك أخبار في الحقيقة ولاحقيقة في الأخبار) رئيس المدينة كان هو القائد العظيم : الرجل الحديدى/بستاني السعادة الإنسانية /العبقري /مهندس البهجة /البوصلة الأخلاقية للكون ..  يقول الكاتب:كان هدفي من كتابة هذه الرواية هو الدخول إلى عقل الطاغية , وفى حالة ستالين _كما غيره_اكتشفت أن جميع الطغاة لهم مبرراتهم ومنطقهم وأسبابهم : الشرعية المؤسسة على القهر العام !  ويستطرد قائلا: حتى الوحوش لها منطقها فى التوحش .
آخر تعديل علىالسبت, 09 أيلول/سبتمبر 2017 12:09

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.