Menu

سعد زغلول)العادى والمدهش فى سيرة زعيم) : بقلم د.هشام الحمامي

سعد زغلول)العادى والمدهش فى سيرة زعيم) : بقلم د.هشام الحمامي
إثنان من كبار مفكرينا المعاصرين أقرأ ما يكتبونه دائما قراءة مرجعية : الاستاذ العقاد رحمه الله  والدكتور عمارة مد الله فى عمره ومتعه بالصحة والعافية . وأرى في كتباتهما الحرص البالغ على التجرد والصدق والقوة لذلك أخذت ما كتباه عن سعد باشا زغلول باعتبار واهتمام كبيرين

    عاما مرت الأسبوع الماضى على وفاة زعيم الأمة(23/8/1927) ولازال إلى الأن90
حاضرا بتاريخه العريض ومواقفه الكبرى والتى كان على رأسها بالطبع ثورة 1919  وان الأمر يتم التعامل معه من باب النوستالجيا والحنين عن الماضى وحكاياته.لا اكثر وأتصور_بالمناسبة_ ان شجرة الفكر والسياسة والثقافة التى تكونت لدينا على مدار القرن الماضى تحمل أسماء كبيرة وعظيمة ولم تنل ما يفى بحقها من اهتمام الباحثين والمثقفين ولا حتى من اهتمام الدولة وأجهزتها .. الدولة من بداية حكم الضباط الأحرار كانت قد اتخذت طريقتها فى التعامل مع كبار وعظماء الأمة المصرية وروادها الكبار_ تحجيما وإغفالا_ واللوم هنا على المثقفين والباحثين بدرجة أكبر.. وهذا استدراك لا ينسحب بالطبع على سعد باشا فالرجل نال من الاهتمام الكثير بطبيعة أدوراه الكبرى وزعامته المهيبة التى لم يحظى أحد بمثلها فى تاريخنا المعاصر.. اللوم يتسع ليشمل أسماء كثيرة قد لا يسمع عنها الآن على الإطلاق شباب العشرين والثلاثين من يسمع مثلا عن ( محمود أبو العيون ومحمد شاكر ويوسف الدجوى وطنطاوى جوهرى  ومنصور فهمى  وعبد الرحمن الرافعى السياسى والقائد الميدانى لثورة 19..)لكن هناك لوم كبير على التيار السياسى الاسلامى الذى لم يوصل شجرة الفكر والسياسة بعضها بعضا طوال القرن الماضى رغم انه كان ولا يزال أولى وأحق التيارات الفكرية والسياسية بفعل ذلك خاصة مع أولئك المفكرين الذين امتدت جذورهم  عميقا فى الاسلام وحضارته وتاريخه وتراثه العظيم ..ووصلا بذلك سنجد ان تعامل التيار السياسى الاسلامى مع زعيما تاريخيا بحجم سعد زغلول كان فى اغلبه سلبيا به الكثيرمن الإهمال والاتهام .                  العقاد كتب دراسته الهامة(سعد زغلول – زعيم الثورة)والعقاد هو من هو فى كتابة التراجم وسير الزعماء والقادة والعبقريات شاهد حاضر دائما ابدا فى المكتبة الاسلامية ناهيك عن اسلامياته الفكرية (التفكير فريضة إسلامية / الإنسان فى القرآن/ حقائق الإسلام وأباطيل خصومه) فأنت أمام مفكر اسلامى ضخم يعى تماما اختيارات موضوعاته ودراساته وكتاباته .
 لكن أكثر ما استوقفني هو رأى الدكتور محمد عمارة فى زعيم الأمة.. ود/عمارة العلم الأشهر بلا منازع على صرح تاريخنا الفكرى والحضارى فى العصر الحديث (معالم المنهج الإسلامي/ الإسلام والمستقبل/ نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام/ الغارة الجديدة على الإسلام/ جمال الدين الأفغاني بين حقائق التاريخ وأكاذيب لويس عوض/ الدكتور عبد الرازق السنهوري باشا: إسلامية الدولة والمدنية والقانون/ جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام/ محمد عبده: تجديد الدنيا بتجديد الدين/ الجامعة الإسلامية والفكرة القومية) وغيرها الكثير والكثير من المؤلفات والدراسات والابحاث.                                                                                               د/عمارة كتب مقالا فى الأهرام عام 2011 بعنوان (الشيخ سعد زغلول ) أكد فيه على إسلامية الوجه والوجهة لهذاالزعيم الكبيرو قال عن سعد ناقلا عن رشيد رضا( إن روح الأفغانى ومحمد عبده قد تجلت فى أعماله وإنه قد أصبح عميد الحزب المدنى للأستاذ الإمام وأقوى أركان هذا الحزب) تحدث فى المقال أيضا عن دراسته الأزهرية الأولى وارتباطه العميق بالأزهر لدرجة انه بعد عودته من أوروبا عام 1921م ذهب الى الجامع وخطب بعد أداء صلاة الجمعة منوها بفضل الدراسة الأزهرية التى علمته الحرية والاستقلال الفكرى وقال :لقد جئت اليوم لأؤدي فى هذا المكان الشريف فرض صلاة الجمعة وأقدم واجبات الاحترام لمكان نشأت فيه وكان له فضل كبير فى النهضة الحاضرة تلقيت فيه مبادىء الاستقلال لأن طريقته فى التعليم تربى ملكة الاستقلال فى النفوس) وذكر أيضا أنه كان الابن البار لجمال الدين الافغانى ومحمد عبده  الذى كان شديد القرب منه وكان يرعى شئونه العامة وخاصة إبان نفيه عقب هزيمة الثورة العرابية وكان يفتتح رسائله إليه بعبارة :مولاى الأفضل ووالدى الأكمل أحسن الله معاده.. ومآبه ويختم الرسائل بعبارة ولدكم سعد زغلول .زعيم كبير عاش حياته وأفكاره بمنطق الكبار وسيرة الكبار وترك اثار الكبار.
وكنت قد أشرت قبلا فى مقال سابق عن موقفه من كتاب الشيخ على عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) الذى صدر سنة 1925 بعد سقوط الخلافة الإسلامية بعامين .. وأيضا موقفه من كتاب طه حسين (الشعر الجاهلى ) ومقولته الشهيرة فى طلاب الأزهر الذين تظاهروا اعتراضا على موضوع الكتاب بالتشكيك فى الصدق التاريخى لبعض قصص القرآن الكريم فقال: إن مسألة كهذه لا يمكن أن تؤثر في هذه الأمة المتمسكة بدينها ..هبوا أن رجلا مجنونًا يهزي في الطريق فهل يضير العقلاء شيء من ذلك؟ إن هذا الدين متين وليس الذى شك فيه زعيمًا ولا إمامًا حتى نخشى من شكه على العامة فليشك ما شاء ماذا علينا إذا لم يفهم البقر؟
كان سعد باشا زغلول وقت صدور الكتاب هو زعيم الأمة المصرية وأبرز زعماء العالم العربي وقائد ثورة 1919م تحدث الرجل عن كتاب الشيخ علي عبد الرازق فقال: (قرأتُ كتاب الإسلام وأصول الحكم بإمعان, وعجبت كيف يكتب عالم ديني هذا الكلام في مثل هذا الموضوع..الرجل جاهل بقواعد دينه بل بالبسيط من نظرياته, وإلا فكيف يدعى أن الإسلام ليس دينًا مدنيًّا ولا هو بنظام يصلح للحكم؟ فأي ناحية من نواحي الحياة لم ينص عليها الإسلام؟.. أوَلَم يقرأ أنَّ الأمة حكمت بقواعد الإسلام عهودًا طويلة كانت أنضر العصور..؟ كيف لا يكون الإسلام مدنيًا وهو دين حكم؟.. والذي يؤلمني حقًا أنَّ كثيرًا من الشبان الذين لم تقوَ مداركهم في العلم القومي, والذين تحملهم ثقافتهم الغربية على الإعجاب بكل جديد, سيتحيزون لمثل هذه الأفكار خطأ كانت أم صوابًا, دون تمحيصٍ ولا درس, وكم وددت أن يفرق المدافعون عن الشيخ بين حرية الرأي وبين قواعد الإسلام الراسخة التي تصدى كتابه لهدمها..), هذا نص كلام زعيم الأمة ومؤسس حزب الوفد قلعة الليبرالية في مصر كما ورد في كتاب (سعد زغلول: ذكريات تاريخية) لمحمد إبراهيم الجزيري
(الإسلام دينٌ مدنيّ ونظام حكم, أثمرت دولته عصورًا من التمدن,هي أنضر العصور, والقول بأنَّ الإسلام رسالة روحية فقط هو هدم لقواعد الإسلام).. هذا الكلام قيل من ما يقرب من مائة عام, ولا يزال بعض أصدقائنا السائرون نياما يتحدثون عن الدولة الدينية والدولة المدنية بتهافت متهافت هفيت ولا كأن ما كان قد كان .
قد يكون للرجل أخطاؤه وهفواته وزلاته وأيضا طموحاته ..خاصة ما يتعلق باللورد كرومر أو موقفه من الزعيم الاقتصادى للأمة طلعت باشا حرب ( ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها **كفى المرء نبلا أن تعدّ معائبه)
لكننا فى مجمل السيرة سنجد أنفسنا أمام رجل كافح وجاهد وناضل وأعطى وأخذ وجعل لحياته كل هذا المعنى الذى كان لها  العادى منها والمدهش.. وهى فى الحقيقة ليست ذات معنى فقط بل ذات معانى وكبيرة وعظيمة..والذى للأسف الشديد لم يبق من تاريخه السياسى والفكرى الخصيب إلا تمثالان فى القاهرة والإسكندرية وحكايات متناثرة من هنا وهناك .

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.