Menu

عن مصر التى يحلفون بترابها ودستورها : بقلم جميل مطر

عن مصر التى يحلفون بترابها ودستورها : بقلم جميل مطر

أسمع عن تعديل الدستور منذ كنت تلميذا فى مدرسة الخديوى إسماعيل الثانوية. كانت المظاهرات جزءا من منظومة تدريبنا السياسى، نتظاهر محتجين على نية لدى الحكومة أو القصر الملكى تعديل الدستور ونتظاهر مطالبين بجلاء الإنجليز واسترداد الاستقلال الوطنى. تظاهرنا احتجاجا على فساد الملك وحاشيته وتظاهرنا تنديدا بتجاوزات الشرطة. ما ضاع علينا من ساعات تعليم كان يعوضها اتفاق إدارة المدرسة مع أولياء الأمور ومع النشطاء من قادة المظاهرات على تنظيم فصول فى نهاية اليوم الدراسى. تخرجنا وفى قلوبنا حب لديموقراطية ــ وإن ناقصة ــ وفى نيتنا أن نعمل على استكمالها وأن نمارس مبادئها فى نوادينا وجمعياتنا وتجمعاتنا الشبابية وفى علاقاتنا العائلية وأن نلتزمها فى مستقبل حياتنا.

علمتنى ممارساتى المبكرة للديموقراطية الغضة المتاحة فى ذلك الوقت؛ علمتنى أن الجدل الدائم والمتجدد فى مصر حول تعديل الدستور لا يخرج عن كونه مسألة فرعية فى قضية أشمل وأعم وهى الصراع بين رغبتين: رغبة الحاكم فى الاستفراد بالسلطة ورغبة الشعوب فى المشاركة فى إدارة شئونها وتقرير مصيرها. لم أسمع عن حاكم فى مصر أو خارجها أعلن أنه يرغب فى الاستفراد بالسلطة حبا فيها أو ولعا بمظاهرها وامتيازاتها، كانوا دائما يتذرعون بأخطار تهدد الدولة أو بدواعى التنمية والإصلاح الاقتصادى. ولم يثبت يوما أن شعبا كان يعلن الرغبة فى المشاركة وفى نيته التخلص من الدولة والعودة إلى ما قبلها، إلى مجتمع التقاط الثمار من الأشجار. 
***
فى مرحلة الشباب لم نكن غافلين عن مشكلات الحكم والمجتمع فى مصر وأسبابها، وفى مقدمة هذه الاسباب الهزيمة العسكرية فى فلسطين وآثارها السياسية والاجتماعية فى مصر. هناك فى فلسطين وهنا فى جامعات مصر ومدارسها غرست وترعرعت فكرة أن النخبة السياسية الحاكمة فى مصر ممثلة فى القصر والأحزاب فاسدة وغير صالحة للبقاء. 
ترعرعت فكرة ثانية أخطر فى تداعيات اعتناقها وأشد فى قوتها التدميرية، فكرة عاشت معنا إلى يومنا هذا بعد أن وجدت من يفلسفها ويعيد جذورها إلى تربة الفراعنة ثم يعود فينسبها إلى عقائد وأديان أحدث من أديان مصر القديمة. نسبوها أيضا إلى مفكرين من أمثال توماس هوبز وقادة ماركسيين ونازيين وقوميين وإلى منظرى الليبرالية الجديدة والفاشية المتجددة دوما وصانعى وحماة موجة الإسلام الجديد المتشدد وجماعات الارهاب الدينى. أما الفكرة فتوجزها عبارة أن هناك شعوبا لا تصلح للديموقراطية وأن شعب مصر نموذجا لهذه الشعوب التى لا تصلح للديموقراطية.
***
أعترف أننى أشعر بالإهانة فى كل مرة أسمع فيها مندوبا عن النخبة السياسية أو التحالف الحاكم يحاول أن يفرض على شعب مصر وبخاصة على الأجيال الشابة فيه اقتناعه الشخصى أو اقتناع حكامنا بأننا شعب لا يصلح للديموقراطية. أعرف عن نفسى أننى أصلح. أمارسها فى حياتى الخاصة وفى دوائر عملى وفى علاقاتى الاجتماعية ولم يقع ضرر. مارستها كزائر أجنبى بإقامة طويلة فى بلاد تمارس الديموقراطية، تآلفنا وامتزجنا وتمازجنا فى احترام متبادل ووقعنا فى حب وتقدير أحدنا للآخر، ولم يقع ضرر. 
قضيت من الوقت ما استطعت توفيره لأراقب أبنائى وأحفادى كيف يتصرفون فى بلاد أجنبية، راقبت تصرفاتهم فى بلاد تمارس الديموقراطية وبلاد حرمها حكامها من الديموقراطية. سمعت فى واحدة حاد بها حكامها عن مسيرة الديموقراطية حجة أن الشعب لم يعرف كيف يقضى على الفساد، وسمعت فى أخرى أنه فشل فى استعادة جزر المالفيناس من السيادة البريطانية أو ترك النشطاء اليساريين يخططون ليعيثوا فى البلاد تخريبا. عاش بعض آخر من هؤلاء الأولاد والأحفاد سنوات النشأة فى بلاد تمارس الديموقراطية وبعض آخر عاش فيها سنوات المراهقة وبعض ثالث عاش فى الخارج كل هذه المراحل، ولم يقع ضرر. بل أفلح الجميع، أفلحت الحكومات وأفلح الأولاد والأحفاد. عاد منهم من عاد إلى وطنه ليقال له أنت وملايين من المصريين أمثالك لا تصلحون للديموقراطية. 
أشعر بالإهانة حين يصفون هذا النفر العظيم من أولادى وأحفادى بأنهم جميعا وأنا على رأسهم لا نصلح للديموقراطية. 
***
عشت طالبا بين طلاب مصريين وعرب فى جامعة مصرية. كنا جميعا نصلح للديموقراطية. مارسناها فى انتخابات الطلبة ومارسها معنا أساتذة محترمون وبعضهم له مكانته العلمية العالية فى جامعات الخارج. خرجنا فاختلطنا بشباب يمارس الديموقراطية فى النقابات العمالية وفى الأحزاب فلم نجد صعوبة فى الاختلاط وإقامة علاقات. كنا فى بعض هذه الدول نواظب على حضور مؤتمرات الأحزاب لنسأل ونقارن ونستخلص العبر، وكنا نرافق مواكب الأحزاب والنقابات فى جولات بالمدن والقرى النائية. عدت من ممارساتى الديموقراطية فى هذه الدول وغيرها دون أن يقع ضرر للديموقراطية التى مارستها أو لشخصى وعائلتى وجهة عملى أو للشعب الذى رحت أشاركه وأتعلم منه. لم أتعرض لإهانة ولم يقلل أحد من قيمة ما أعرف وأهمية ما تعلمت، لم يصدمنى أحد باتهامى أننى لا أصلح إلا عندما عدت إلى وطنى لأجد نفسى واحدا من ملايين صدر فى شأنهم مرسوم، مرة ملكى ومرة جمهورى، بأنهم لا يصلحون للديموقراطية. 
لا أفهم أن تكون جماعة الحكم، أو جماعة من جماعاته، نشأت فى بيئة ذات طبيعة سلطوية فتفرض على شعب طبيعتها وتحرمه من التمتع بحقوق وحريات لأنها حرمت منها. عشت فى مجتمعات تحكم فيها جماعات أو مؤسسات دينية متزمتة ومجتمعات تحكم فيها جمعيات ثورية أو مؤسسات عسكرية لم تلتزم واحدة منها فى نشأتها ونموها مبدأ واحدا من مبادئ الديموقراطية، بل كانت تنبذها وكثيرا ما تحرمها على اتباعها وتمنع مناقشتها فى منشوراتها وكتبها وكراساتها. لا أمانع ولا أعترض وليس من حقى أو من حق أى مؤسسة أخرى أن نفرض على مؤسسة داخل دولة أن تصدر قراراتها الداخلية بالاقتراع العام أو أن يمارس أفرادها حق التظاهر، ولكنى وملايين ــ بل ربما بلايين فى شتى أنحاء العالم ــ نتمنى على قادة هذه الجهات إذا حدث وتولت مسئولية الحكم أن تحتفظ للشعب بحقوقه الطبيعية يمارسها فى حرية واعتدال. كلها تحلف يمين احترام نصوص الدستور وروحه، وكلها باستثناءات قليلة تأففت وتململت من تعاليم الديموقراطية والقيود التى فرضها عليها قسم الولاء للوطن ودستوره. كلها، باستثناءات قليلة، اتهمت الشعب بأنه الطرف غير الصالح للديموقراطية.

***
أثق ثقة كاملة فى أنه لو كنا استثمرنا ثلث أو نصف السبعين عاما الماضية لوضع أو تعزيز أسس ديموقراطية سياسية لما احتجنا اليوم إلى تجديد فى دماء منظومة الضرورة. يأتى دائما بين الحين والآخر من يذكرنا بأن حل قضايا التنمية والأمن يتطلب تضحيات فى الحقوق والخصوصيات وحريات التعبير والرأى والتضحية بآمال وأحلام أخرى كثيرة. حدث أكثر من مرة أن عاد الشعب يحن لممارسة حق أو حرية وفى كل مرة من هذه المرات جرى اتهامه بأنه وقع فى حبائل المؤامرة الأجنبية وعناصر الشر الأسود التى كثيرا ما يتحدث عنها الرئيس المعلم فلاديمير بوتين، والرئيس الآخر دونالد ترامب. 
*** 
تعديل الدستور، موضوع النقاش الدائر حاليا، لن يفيد القضية الديموقراطية التى هى وبحق ومهما طال الزمن وتعقدت المشاكل، أم القضايا. التعديلات المماثلة التى أدخلت على الدساتير فى العهود السابقة لم تفد الديموقراطية ولا التنمية ولا أمن البلاد والعباد فى شيء كثير أو قليل. ربما لو ارتبط تعديل منها بالتزام تشجيع قيام أحزاب سياسية مستقلة وحركة نقابية قوية ومنضبطة وجمعيات ومنظمات مجتمع مدنى حر ومستقل عن الدولة ولكن متعاونا بحرية كاملة مع مؤسساتها وصحافة مستقلة وملتزمة ومسئولة وسلطة تشريعية فاعلة ولائقة، وقانون هو السيد فى أرجاء البلاد، أقول لو أن أحد تلك التعديلات الدستورية صدر مقترنا ببرنامج إصلاح سياسى جاد وحقيقى لربما كنا نعيش الآن شعبا مرفوع الرأس بين الشعوب الحرة.
***
تعالوا نشهد العالم أننا وضعنا دستورا والتزمناه وأثبتنا أننا أمة لا عيب خلقيا فيها ولا نقص شديدا فى الوعى والتجربة، أمة تريد الحرية وتصلح للديموقراطية حتى فى أعتى ظروف الضرورة.

نقلا عن الشروق

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.