Menu

المسيرى)وذئاب حياته وحياتنا): بقلم د.هشام الحمامي

المسيرى)وذئاب حياته وحياتنا): بقلم د.هشام الحمامي

 حين عاد الدكتور عبد الوهاب المسيرى من امريكا فى بداية السبعينيات وكان وقتها عمره 32 عاما (8/10/1938) وكان قد حصل على الدكتوراه فى الأدب الانجليزى وكما يقول (ممتلئاً ثقة بمقدرة الإنسان على تغيير واقعه وإقامة العدل على الأرض) لهذا حرص على الانخراط في حركة المجتمع بالمعنى الإنساني والحضاري وليس المادي. وقدمه د/اسامة الباز صديقه القديم الى ا/هيكل فى الأهرام وفى وزارة الإعلام ونشات بينهما صداقة شخصية وفكرية عميقة على ما يصفها د/المسيرى.. خلال هذه الفترة تحديدا هاجمته كما يقول ثلاثة ذئاب شرسة والتى استحوذ هوعليها بدلا من ان تستحوذ هىعليه ..وهى ذئاب شرسة فعلا لكل المشتغلين بالعمل العام وهذه الذئاب هي: ذئب الثروة وذئب الشهرة والذئب المعلوماتي الذى يصفه بأنه اخطر هذه الذئابعلميا وموضوعيا و أيضا ذاتيا تجاه د/المسيرى من خلال رحلتة الفكرية إلا انه ليس كذلك بالنسبة لأغلب المشتغلين بالشأن العام بل هو أقلهم شراسة لديهم . ذلك ان الشهرة والثروة يمثلان بالنسبة لأغلبهم الجائزة الكبرى من  العمل العام .. وكلامهم فى ذلك جميل وتعاطفى لكن التاريخ لم يثبت عنهم صحته أبدا..وهذا ليس عيبا او انحرافا لكن العيب والانحراف هو ان يسخر المشتغل بالعمل العام شخصه وموضوع انشغاله للعَب منهما عبا وتكون كل مواقفه وأفعاله واختياراته وضروراته  موقوفة على هذا الاحتياج  النفسى العليل .ويرون عن الإمام ابو حامد الغزالي انه وفى أوائل


الخمسينيات من عمره اكتشف انه (مكث طويلا ودوافعه كلها طلب الجاه واشتهار الصيت) وكان عليه إذا ان يخوض رحلة اعادة تعريف المفاهيم  فى أعمق أعماق قلبه.. فسمع صوتا مدويا داخله يقول(لم يبق من العمر الا القليل وجميع ما انت فيه رياء وتخييل
فما كان من الرجل الا ان صوب مسار حياته ووجه وجهه للذى فطر السموات والارض حنيفا صادقا.. وكان شديد التركيز فى هذا التوجه الى ان وجد نفسه فى أرض الحقيقة الكاملة .. ولم يصبح عبدا لشهوة الثروة والشهرة .. 
وككل الصفات البشرية السيئة تتصل المسألة فى أعلى معانيها بالقدرة على مواجهتها وتصويبها كما يقول أهل الطريق فى شرحهم  لمعنى(واذا ما غضبوا هم يغفرون..)(والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا..)غضب وفحش وظلم للنفس ولكن يبقى الشرط الانسانى فى المواجهة والتصويب. والإنسان فى نهاية الامركائن طيب والشر ليس مناخه الطبيعى ويجب عليه أن يكون قوى العزيمة على الشىء الذى يرى انه ينبغى عليه  ويجب عليه عمله  وكما فعل الإمام الغزالى مع الجاه والشهرة وكما فعل الدكتور عبد الوهاب أيضا مع الثروة والشهرة وأيضا مع المعلومات والمعرفة اخطر الذئاب كما يقول خاصة بالنسبة للعلماء والمفكرين يقول فى ذلك : التوحش المعرفى يتطلب من الإنسان ان يصل الى أعلى مستويات التجريد وأيضا مع أدنى مستويات التخصيص وهذا يفوق قدرة البشر المحدودة ..فقط يكفى نظرة شبه كليه وبعض المعلومات والشواهد التى يبنون من خلالها رؤيتهم العامة والنظرية .ويقدم أجمل وأروع نصائحه فى هذا المعنى فيقول :علينا ان نفرق بين الكمال والاكتمال..علينا ان نكمل ما بدأناه وننتهى منه بأى وجه من الوجوه وليس بالضرورة الوصول به الى الكمال..الكمال  يفوق قدراتنا البشرية 
ذئب الثروة كان شرسا أيضا لكنه كان هشا عند الدكتور عبد الوهاب وهو ليس كذلك بوجه عام إذ يكفى صحبته للأستاذ هيكل والذى كان يرفل فى الثروة من رأسه حتى أظافره ويعيش حياته مغموسة غمسا فى الترف والنعيم متأثرا فى ذلك بأستاذه محمد التابعى ..لم يتأثر د /عبد الوهاب بحالة ا/هيكل كما حدث لهيكل مع التابعى  لكنه كان يدرك اهمية المال فلابد للدنيا لمن كان فى الدنيا كما يقولون .. فاقتنى بيتا جميلا لم يعقه المال عن أن يبنيه وينهيه بالشكل والجمال الذى يرضيه وهو كذلك بالفعل..كان يحسن استقبال ضيوفه على أكرم وأسخو ما يكون الاستقبال والضيافة..عاش أولاده من حوله منعمين بما كونه من ثروة..كل ذلك كان فى الحدود العادية الهادئة الخالية من التظاهر والتباهى ولو اراد د/ عبد الوهاب ان يعٌب من المال عبا لفعل بما يجعله من اثرى الاثرياء خاصة فى السنوات الاخيره من عمره المبروك ..استطاع أن ينجح تماما في توظيف المال بدلاً من أن يوظفه المال وأن ينجز مشروعه المعرفي وهو مستور .ولم يضطر أن يقوم بعمل يتناقض مع نفسه كما لم يعمل إلا في وظائف يقوم هو بتوظيفها لخدمته 
(ويحكى عن الذئب الثالث(الشهرة
 انه كان يود ان يكون مشهورا وسعى فى سبيل ذلك وحقق شهرة لا بأس بها فى الثلاثينيات  من عمره لكن سفره لأمريكا من منتصف السبعينيات الى بداية الثمانينيات جعله مغمورا حين عاد ثانية الى القاهرة وفٌرض عليه طوق عزلة قاسٍ بعد كامب ديفيد وكما يقول (وجدت نفسي نكرة) على حين غرة  وهنا بدأ ذئب الشهرة يهاجمه بشراسة  وقد تعامل المسيري مع هذه الصدمة الحضارية برقي وتفهم عميق  وأدرك جوهر الأمر فيقول :كان على أن اجلس إلى نفسى وأفكك موضوع الشهرة هذا واضعه فى حجمه الطبيعى (أريد ان اكون مشهورا لا للشهرة  فى حد ذاتها وإنما لكى أحقق ذيوعا لافكارى كما ان الشهرة تمنح المرء قدرا من الحصانة فى المجتمعات الاستبدادية)تحمى من الاعتقال والاذى بدرجة ما واستطعت ان أسيطر على هذا الذئب كما يقول رحمه الله ..وهو يرى ان شهوة الشهرة والجاه وذيوع الصيت  أشرس واعنف من شهوة جمع المال والثروة .. وان كان الموضوع (رايح جاى) كما يقولون بل ان بعضهم توقف كثيرا عند (من يجلب الأخر)المال يجلب الشهرة والجاه أم الشهرة والجاه تجلب المال والثروة . وأيا ما كان الأمر فعلى المرء ان يجعل كل هذه الأشياء فى معنى (خادم جيد سيد سىء) والا أصبح عبدا لهما .بكل ما يحمله الاستعباد من اهانة وسقوط
رحم الله الدكتور عبد الوهاب فى ذكرى وفاته التاسعة 2/7/2008 .. وهى السنوات التى مرت ولا كأنها كانت ولا كأننا كنا .. فغيابه الى الان له( وجعه) خاصة حين تتذكر بعض الساعات  الخاصة مع دائرته الاولى المحيطة به وماكان فى هذه الساعات من قرب وصفاء  يخلو من اى نزعات نفسية عليلة..كان فيها دفق الحياة الحقيقى يتدفق بعذوبة بالغة  
كان بالفعل استاذا ورائدا وكبيرا ..وتحتار ايهما كان اكبر فيه عقله اكبر من قلبه ام قلبه كان اكبر من عقله ..أم أن الاثنين كانا اكبر من عمره 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.