Menu

15 مايو والصراع على (الدولة) : بقلم د.هشام الحمامي

15 مايو والصراع على (الدولة) : بقلم د.هشام الحمامي

على الرغم من الأهمية التاريخية الكبيرة لما حدث في 15مايو 1971 إلا أن المصريين الطيبين قد لا يبقى في ذاكرتهم الوديعة منها إلا مدينة وكوبرى (مدينة 15 مايو الواقعة قرب حلوان وكوبري 15 مايو من المهندسين لبولاق)، وعلى الرغم من التحول الهائل الذي شهده الشرق الأوسط كله انطلاقًا من هذا اليوم وكل ما ترتب عليه بدءًا من استيلاء السادات التام على مقاليد السلطة وحتى الفوضى العارمة التي يشهدها هذا الشرق الآن مرورًا بحروبه ومعاهداته واحتلالاته وثوراته وانقلاباته واغتيالاته, وعلى الرغم من المعنى الغنى بالدلالات والعِبر عن الصراعات ووسائلها وأهدافها وأشخاصها وتحولاتها ونهايتها والتي تقدمها لنا حالة الصراع على الدولة بين رجال البكباشي وخدام نظامه بعد وفاته, إلا أن قليلاً مَن يستعيد هذا الملف الذي يشرح دهاليز السلطة في الدولة ومراكز تأثيرها وأركان قوتها سنرى ولاءات الرجال لمصالحهم ولبعضهم بعضًا طبقًا لمعادلات الحب والكراهية والقوة والضعف وسنرى كم هي فاعلة قصة الحب والكره هذه وكيمياء التواصل والتنافر وما أدراك ما كيمياء التواصل والتنافر، ناهيك عن المصالح الشخصية وأيضًا وبأعلى الأصوات وما أدراك ما المصالح الشخصية.. سنرى مظلة واسعة من التبريرات الكذوبة الخداعة عن حب الوطن والبلد والشعب والتاريخ والنهر والنخل .

سنعرف كيف علاقة البكباشى بالسادات وكيف هى هذه العلاقة رسوخًا وعمقًا والتصاقًا واستغراقًا في كل التفاصيل الشخصية والتاريخية من اليوم الأول لتعارفهم في التنظيمات الدينية واليسارية وحتى يوم 25/12/1969 تاريخ تعيينه نائبًا لرئيس الجمهورية سنعرف المعنى المصري العريق العتيق لفكرة التراتبية (الهيراركية) أو الشرعية والبيروقراطية النظامية وكم هى بالغة التأثير في حسم كل الأخطار في كل اللحظات سنعرف أن السلطة والدولة في مصر وهى وإن كانت شأنًا داخليًا بحتًا إلا أنه وثيق الصلة بالخارج الإقليمي والدولي ومهما كانت التداخلات والاتصالات والتفاهمات فلن يرمى أحدهم بثقله إلا خلف الأقوى والأفعل والأنفذ, مهما قيل من أقاييل وأقاويل ومقاييل وكل هذا الذي والتي .
تقول الحكاية إنه في يوم 11/5/1971 جاء ضابط يعمل في إدارة الرقابة على الهاتف بالمباحث العامة لمنزل رئيس الجمهورية, الضابط اسمه طه زكي (سيعمل بعدها اللواء طه زكى مديرًا لمكتب السادات حتى وفاته وألح عليه بعدها مبارك في البقاء إلا أنه رفض) وقدم تسجيلاً يحمل مكالمة بين اثنين يتآمران على الرئيس ويتخلل حديثهما سخرية من شخصه بألفاظ بذيئة كان الشخصان هما شعراوي جمعة وزير الداخلية وعلي صبري نائب رئيس الجمهورية الذي عزل قبلها بأسبوع من منصبه. كان شعراوي جمعة أحد أقوى رجال البكباشى يصغره بعامين تخرج في الكلية الحربية وعين مدرسًا بكلية الأركان حاصل على الماجستير في العلوم العسكرية ورئيس فرع الخدمات السرية بالمخابرات العامة شغل منصب وزير الداخلية من منتصف الستينيات بتعيين مباشر من عبدالناصر وأحد أهم مؤسسي التنظيم الطليعي وأمين عام الاتحاد الاشتراكي أنت تتحدث عن شخص تربع وتمدد وتمخط وتغوط وتفسخ وتمسخ وتمرمط في تراب دولة البكباشى، أما صبري (ابن أخت علي باشا الشمسي أول مندوب لمصر في عصبة الأمم) ومؤسس جهاز المخابرات العامة مع زكريا محيي الدين ومدير مكتب البكباشي للشئون السياسية وهو في الأصل طيار وأخذ دورات على أعمال المخابرات بقاعدة لورى الجوية بدنيفر بولاية كلورادو بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1951، وهو الذى رتب القصة كلها مع المخابرات الأمريكية والسفارة الأمريكية رغم أنه لم يكن من أعضاء مجلس قيادة الثورة وكان ذلك بترتيب مسبق مع البكباشى (أستاذ التنظيمات أستاذ المخابرات أستاذ التحركات) كما وصفه سامي شرف.
فقرر السادات إقالة وزير الداخلية شعراوي جمعة، الأمر الذي لم يمرره أصدقاؤه فتقدموا باستقالات جماعية في محاولة منهم للانقلاب على نظام الحكم وإحداث فراغ دستوري ففاجأهم السادات بقبول الاستقالة وحدد إقامتهم ثم اعتقلهم.
سيكون مهمًا للغاية الوقوف كثيرًا على موقف الجيش في هذا التحول التاريخي وسنعرف المفاجآت عن موقف الليثي ناصف الذي كان من مجموعة علي صبري وخوفه من رئيس الأركان جعله يغير موقفه وسنفهم لماذا عزله السادات ثم قتله بعدها.. وعن الدور الهائل الذي قام به الفريق صادق وإهانته للسادات وهو ما لم ينسها له السادات. 
يقول الفريق صادق في مذكراته والذي يعنينا أيضًا أن نعرف أن الفريق صادق كان أبوه قائد بوليس السرايات الملكية في عهد فؤاد وفاروق وكان هو نفسه مديرًا للمخابرات الحربية من 1966-1969 وكشف ثلاث محاولات انقلاب عسكري على البكباشى الذي طلب منه عدم إجراء تحقيقات فيها وعينه رئيسًا لأركان الجيش خلفًا لأحمد إسماعيل بعد حادثة الزعفرانة، يقول الفريق صادق: (الفريق فوزي لم يكن يعلم موقفي من الصراع الدائر حول منصب رئيس الجمهورية في ذلك الوقت كنت أرى أن صالح مصر فوق الجميع وأن تسلم السادات لمسئوليته كرئيس للجمهورية وفقًا للدستور يساعد على استقرار الأوضاع، خاصة أن العدو الإسرائيلي على بعد 120 كيلو مترًا من القاهرة وقضية مصر الحقيقية في تلك المرحلة هي الاستعداد لمعركة الكرامة لكن الفريق فوزي كان له رأي آخر وفوجئت به يعرض عليّ خطة لتحرك بعض تشكيلات ووحدات القوات المسلحة في إطار إجراءات التامين وأدركت ما يدور خلف هذه التحركات (الاستعداد لانقلاب عسكري) فسألته عن الهدف من هذه التحركات فلم ينكر أنه انقلاب وقلت له إن الاستيلاء على السلطة بالقوة سوف يفتح الباب على مصراعيه أمام الطامحين والطامعين في الوقت الذي مازال العدو الحقيقي لمصر قابعًا على أرض سيناء وتراجع الفريق فوزي عن الفكرة بعد أن شعر بأنني لن أنضم إليه وبصفتي رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة فسوف أكون عائقًا أمام هذه الفكرة.. حاولت جاهدًا أن أجنب القوات المسلحة الدخول كطرف في الصراع وأرسلت رسالة إلى الفريق الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري الذي كان متورطًا مع مجموعة علي صبري عن خطورة تصرفاته وخطورة ما سيترتب عليها من نتائج سيتحمل هو بمفرده مسئوليتها وفى صباح اليوم التالي أبلغني الليثي ناصف أنه يضع نفسه وقواته تحت تصرف رئيس الجمهورية سمعت نبأ الاستقالات الجماعية في الإذاعة فعدت فورًا إلى الوزارة, واتصلت بالرئيس السادات لأول مرة تليفونيًا وقلت له إن القوات المسلحة خارج الصراع وإنها لا تكن أي ولاء إلا للسلطة الشرعية ولمصر وعليه أن يتصرف وهو على يقين من ذلك، فرد الرئيس السادات قائلاً لصادق: أنا كنت أبحث عنك وعاوزك تيجي دلوقتي لتحلف اليمين كوزير للحربية فأوضحت له أنني لا أستطيع أن أترك مكاني حاليًا في القيادة وعندما أطمئن إلى استتباب الوضع سآتى أربع مرات يتصل به السادات ولا يجيء..!!؟ وأخيرًا وبعد الاطمئنان على أمن وسلامة القوات المسلحة وتأكدي من استقرار الأوضاع ذهبت إلى منزل الرئيس وجدت الدكتور محمود فوزي والدكتور عزيز صدقي وزير الصناعة في ذلك الوقت والأستاذ محمد حسنين هيكل واستقبلني الرئيس فاتحًا ذراعيه محييًا مطريًا كل ما قمت به، موضحًا أن تدخلي جاء في الوقت المناسب لإنقاذ مصر وإنقاذه شخصيًا وعائلته من كارثة محققة فأجبته بأنني لم أفعل له شيئًا وأن كل ما فعلته كان من أجل مصر ورجوته أن يعفيني من منصب وزير الحربية وأن أبقى رئيسًا للأركان لأدير المعركة قريبًا مع العدو ولكنه أصر وأمر بترقيتي إلى رتبة فريق أول.. يا سيادة الفريق أنت طيب جدًا .
كان للمخابرات العامة دور مهم أيضًا ويحكى المشير أحمد إسماعيل الذي فوجئ بمدير مكتب الرئيس السادات يتصل طالبًا أن أذهب إليه على الفور وذهبت لأعود مرة ثانية إلى الخدمة وكان اختيار السادات لي لرئاسة المخابرات العامة ما هو إلا تمهيد لتولى أمور القوات المسلحة لكن بعد أن تتهيأ الأمور، سيعزل السادات الفريق صادق وسيعين مكانه أحمد إسماعيل الشديد الخصومة مع رئيس الأركان سعد الدين الشاذلي وتدخل بهما القوات المسلحة حربها العظيمة ثم لا تلبث أن تخرج مصر من هذه الحرب مستهلة عهدًا جديدًا بدأ من يوم 15 مايو 1971،
وختامًا سيكون من المهم أن نقرأ لمصطفى أمين وما أدراك ما مصطفى أمين في دنيا المخابرات والمؤامرات نقرأ له سؤالاً إلى جمال عبدالناصر نصه مَن تعتقد أنه خليفتك في قيادة الثورة أجاب عبدالناصر على الفور وبدون تردد أنور السادات.. ليس هذا وحسب بل وحدث بعد أول انتخابات للجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي وجاء ترتيب السادات الرابع بعد علي صبري وحسين الشافعي ومحمود فوزي، غضب السادات واعتكف في منزله وذهب عبدالناصر لزيارته وقال عبدالناصر إنه لن يعترف بنتائج هذه الانتخابات وطلب شعراوي جمعة وطلب منه أن تظل الأقدمية كما هي وكما قررها عبدالناصر بنفسه من قبل وهي أن يكون عبدالناصر أولاً ثم السادات بعده مباشرة.

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.