Menu

نغبطهم ونحسدهم : بقلم فهمي هويدي

نغبطهم ونحسدهم : بقلم فهمي هويدي

حين نرحب بتصالح الكنيستين الأرثوذوكسية والكاثوليكية فإننا لا نغبطهم فقط، وإنما نغار منهم ونحسدهم أيضا، ذلك أن الاعتراف المتبادل بصحة معمودية كل كنيسة وعدم الحاجة إلى إعادة التعميد عند تغيير الكنيسة فيما سمى بوثيقة وحدانية المعمودية، يعد إنجازا مهما ينهى أحد أسباب «الحرب الباردة» بين الكنيستين. صحيح أن ما تم هذا الأسبوع كان اتفاقا بين رأسى الكنيستين الأرثوذوكسية التى يمثلها البابا تواضروس وضيف القاهرة البابا فرانسيس رأس كنيسة الفاتيكان الكاثوليكية، ولم يكن ثمرة نقاش بين رجال اللاهوت فى الكنسيتين، إلا أن فكرة التوافق ذاتها هى أكثر ما يهمنا فى الموضوع. باعتبار أنها تشق طريقا للتوافق وإنجاح الحوار بين الكنيستين الكبيرتين.

فى رسالة تلقيتها من الدكتور هشام الحمامى حول تاريخ العلاقة بين الكنيستين ذكر أن الحوار الرسمى بينهما بدأ بزيارة البابا شنودة عام ١٩٧٣، وهى أول زيارة للفاتيكان قام بها بابا الإسكندرية بعد مجمع خلقيدونية الشهير عام ٤٥١م. البابا شنودة كان فى ضيافة البابا بولس السادس، وفى تلك الزيارة استعاد الأول رفات القديس اثناسيوس، الذى كانت الدولة البيزنطية قد نقلته من الإسكندرية إلى القسطنطينية فى القرن الثامن، ثم إلى فيينا فى القرن الخامس عشر. وهو القديس الذى كان بطريرك الإسكندرية فى القرن الرابع وتم الاعتراف به كقديس وأحد علماء الكنيسة الكاثوليكية الـ٣٣. فى حين أنه يعد أب الكنيسة الأرثوذوكسية ومعلمها الإيمانى الأول. كانت زيارة البابا شنودة هى الأولى بعد قطيعة استمرت نحو ١٥٠٠ عام. وخلالها أقام قداسا قبطيا بكنيسة القديس اثناسيوس بروما، شهده كثيرون ممن أرادوا أن يحضروا قداسا أرثوذوكسيا فى كنيسة كاثوليكية.
فى نفس اليوم الذى زار فيه البابا شنودة الفاتيكان (٤/٥/١٩٧٣) تمت زيارة البابا تواضروس فى عام ٢٠١٣، وكانت أول رحلة يقوم بها بعد رسامته، ورمزية التوقيت كانت مهمة، لأنها كانت بمثابة رسالة مودة ودعوة لاستمرار الحوار والتوافق بين الكنيستين. وليس دقيقا أنها كانت زيارة روحية، لأن البابا تواضروس لو أرادها كذلك، لكان الأولى أن يزور الكنائس الأرثوذوكسية الحبشية والأرمينية والهندية والروسية، وبعد ذلك يتجه نحو كنيسة الفاتيكان الكاثوليكية، ولكن اختيار الفاتيكان كانت له حسابات أخرى متجاوزة الأبعاد الروحية وثيقة الصلة بالدور الذى يقوم به الفاتيكان فى المجتمع الدولى.
زيارة البابا فرانسيس لمصر التى حضر خلالها مؤتمر السلام الذى أقامه الأزهر تمت بعد قطيعة استمرت ٥ سنوات بين الأزهر والفاتيكان، سببها تصريحات البابا السابق (بندكت السادس عشر) التى اعتبرها الأزهر إساءة للإسلام، دفعت شيخ الأزهر إلى تجميد التواصل مع كنيسته. إلى أن قام الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب بزيارة الفاتيكان فى العام الماضى، التى كانت إيذانا لعودة العلاقات الإيجابية بين الطرفين مرة أخرى.
واضح أن لقاء رأسى الكنيستين الأرثوذوكسية والكاثوليكية كان ناجحا، بفضل انفتاح الرجلين وحرصهما على التوافق، ويظل الاتفاق على وحدانية المعمودية خطوة لها دلالتها فى هذا المسار. ولست أشك فى أن روح التسامح والانفتاح التى اتسم بها البابا فرانسيس عززت من علاقته مع شيخ الأزهر المعروف برحابة صدره وانفتاحه، الذى عبرت عنه زيارته للفاتيكان فى العام الماضى التى كانت لها رمزيتها فى الحرص على فتح صفحة جديدة مع البابا الجديد.
هذه الأجواء المعطرة التى تشيع بين الكنيستين، وبينهما وبين الأزهر تستحق الترحيب لا ريب، لكنها تثير سؤالا كبيرا حول عجزنا عن أن ننقل ذلك التوافق إلى ساحة الأمة الإسلامية، خصوصا بين السنة والشيعة. وتلك مسألة تحتاج إلى مناقشة معمقة ومخلصة. فى هذا الصدد أزعم أن الخصام والشقاق فى عالمنا الإسلامى، خصوصا ما بين السنة والشيعة، فيه من الأسباب السياسية أكثر مما فيه من الأسباب العقيدية، لأن العقائد فيها كل ما تريد من أسباب الاتفاق والشقاق، ووحدها السياسة التى تستدعى أسباب الخصام وتغذيه. وليس صحيحا أن المتعصبين هم الذين يوقعون بين الأشقاء. إذ هم يوجدون فى كل جانب، بين أتباع الكنائس وفى كل دين (لست أشك فى أن منهم من سيرفض اتفاق وحدانية المعمودية مثلا)، ولكن الإدارة السياسية للخلاف هى التى تكبح جماح المتعصبين أو تستنفرهم وتؤجج غضبهم. لذلك تصبح المصالحات السياسية تمهيدا ضروريا لتحقيق المصالحة الدينية والمذهبية.

نقلا عن الشروق

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.