Menu

جمهورية يوليو والقضاء.. كيف حدث هذا؟ : بقلم د.هشام الحمامي

جمهورية يوليو والقضاء.. كيف حدث هذا؟ : بقلم د.هشام الحمامي
لم يذكر لنا تاريخ ما قبل يوليو عن مواجهات وصراعات تمت مع القضاة والقضاء..بل ان تاريخ هذه الفترة قضائيا من اعز واشرف ما يحتفظ به سجل القضاء المصرى من الفخر والكمال. وسيكون علينا هنا إكراما لأنفسنا وتاريخنا ان نذكر بكثير من العرفان الرائد الأول لاستقلال القضاء فى مصر الحديثة عبد العزيز باشا فهمى (1870– 1951)أحد  أعلام الحركة الوطنية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين وواحداً من ثلاثة سياسيين سافروا إلى باريس سنة 1919 لعرض المطالب المصرية(عبد العزيز فهمى وعلي شعراوي وسعد زغلول متحدثاً رسمياً)و أول من وضع مشروع للدستور المصري سنة 1920 واول رئيس لمحكمة النقض وهو الذى سماها بهذا الاسم (النقض) وله خطبه مشهورة فى يوم افتتاحها وأول رئيس لمجلس القضاء الأعلى وصاحب الاستقالة الشهيرة من رئاسة محكمة الاستئناف عام 1930 بعد أن قرأ في إحدى الصحف أن عضواً بمجلس النواب يسأل عن راتب رئيس محكمة الاستئناف وكيف يتساوى مع راتب الوزير فتوجه إلى قصر عابدين وقدم إستقالته للملك فؤاد الأول لأنه اعتبر السؤال عن راتبه من عضو بالبرلمان تدخلاً في السلطة القضائية.. وصاحب الحكم الشهيرفى عام 1932 الذى أدى إلى إسقاط حكومة إسماعيل صدقى عندما تضمن الحكم  عبارة(إجرام في إجرام)ذلك ان مأمور مركز البدارى  قتل على يد معتقلين سياسيين كان قد جرى تعذيبهم في القسم واعترفوا بأن المأمور كان يدخل العصا فى دبورهم فقتلوه.. حكم عبد العزيز فهمى بالإعدام على الجناة إلا أنه أصر أن تتضمن حيثيات الحكم أن جزاء ذلك المأمور كان القتل لأن ما فعله بهؤلاء الشبان كان( إجراما في إجرام).. بعدها اضطر على ماهر وزير الحقانية آنذاك على تقديم استقالته ثم سقطت بعده وزارة إسماعيل صدقى بأكملها..

 

 لكن التاريخ  يتوقف عند ثلاث مواقف لعبد العزيزفهمى جديرة بالوقوف فعلا.. الأول موقفه من كتاب الاسلام وأصول الحكم حين كان وزيرا للعدل 1925 حيث رفض تنفيذ قرار شيخ الأزهر وقتها (الشيخ ابو الفضل الجيزاوى) بخصوص الشيخ على عبد الرازق واستقال من الوزارة وكان فيما يبدو يرى مثل ما رأى الشيخ على من أن الاسلام دين روحانى لا علاقة بالحكم والسياسة..والموقف الثانى حين كان عضواً بمجمع اللغة العربية سنة 1940  حيث تقدم بمشروع لتغيير حروف الكتابة في مصر من الأبجدية العربية إلى الأبجدية اللاتينية كان الرجل من دعاة استبدال الفصحى بالعامية رغم انه شاعرا وله (قصيدة دالية) شهيرة أطلق عليها النقاد المعلقة الثامنة .. والحقيقة أن الرجل فى موقفيه السابقين كان يعكس شخصية العلمانى التقليدى ابن هذا الزمن لكنه زودها حبتين كما يقولون ..الإسلام علمنا أن لا ننسى الفضل لأهل الفضل ومواقف عبد العزيز فهمى السياسية والقضائية تذكر له فضلا وعرفانا ..واتصور أن بعض الناس حين يخرجون عن خطهم المعتاد الذى كونوا فيه خبرتهم وتجاربهم ومعارفهم(تسيح )منهم الأمور شوية كما يقول الشباب ..على أن أسوا مواقف الباشا على الاطلاق هو توصيته التى أدخلت حسنى السيد مبارك الكلية الحربية عام 1946م بعد إلحاح والده على الباشا الذى كان يمتلك هو وشقيقه أربعة ألاف فدان فى كفرالمصيلحة قرية حسنى مبارك..إلحاحه ان يكتب خطاب تزكية لإبنه ضمن أوراق تقديمه . 

سيكون علينا أيضا أن نذكر انه تم فى العهد الملكى إدراج القضاء لأول مرة ضمن سلطات الدولة من خلال دستور 1923 الذي نص في فصله الرابع على أن (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون وليس لأية سلطة في الحكومة التدخل في القضايا) وفي عام 1931 تم تشكيل محكمة النقض ثم تأسس نادي القضاة عام 1939 للتخلص من سلطة المحاكم المختلطة.. وفي عام 1943 صدر أول قانون لاستقلال القضاء ..وورد في المذكرة الإيضاحية لهذا القانون أن(الدستور المصري أبرز حقيقة استقلال القضاء ولم يخلقها‏ فمن طبيعة القضاء أن يكون مستقلا والأصل فيه أن يكون كذلك‏ وكل مساس بهذا الأصل من شأنه أن يعبث بجلال القضاء‏ وكل تدخل في عمل القضاء من جانب أية سلطة من السلطتين الأخريين(التنفيذية والتشريعية)يخل بميزان العدل‏ ويقوض دعائم الحكم‏ فالعدل كما قيل قديما أساس الملك..وأن الضمانات التي كفلتها نصوص ذلك القانون لا تعدو أن تكون خطوة يجب أن تتبعها خطوات‏ وعلى القضاة أنفسهم واجب متابعة السعي دوما لاستكمال أسباب استقلالهم‏) ..عام 1946 تم إنشاء مجلس الدولة وفي عام 1949تم إلغاء المحاكم المختلطة وإعطاء الولاية للقضاء المصرى على كل من يعيش على ارض مصر.
بعد إطاحة الضباط اﻷحرار بالنظام الملكي في يوليو 1952 بدأت المواجهة بين النظام الحاكم الجديد والسلطة القضائية..كان دستور 1923 الذى الغته الحركة المباركة يقسم السلطة في مصر بين ثلاث مؤسسات هي السلطة التنفيذية متمثلة في القصر الملكي والحكومة والسلطة التشريعية متمثلة في البرلمان والسلطة القضائية متمثلة في المحاكم ومجلس الدولة. كما ذكرنا سابقا  تأسس مجلس الدولة عام 1946 ليختص بنظر القضايا التي تكون الحكومة أحد أطرافها ووسع المجلس من صلاحياته فبدأ في مراقبة دستورية القوانين بحكم أصدره في فبراير 1948 كما أخضع لرقابته أنشطة الدولة في حالة فرض أحكام الطوارئ.. رغم أن المستشار عبد الرازق السنهوري رئيس مجلس الدولة وقت قيام الثورة سارع إلى تأييدها إلا أن الخلاف بينه وبين نظام الضباط تصاعد ,ما تسبب في أزمة كبيرة ..وفي مارس 1954 استيقظ المصريون على مظاهرة اقتحمت مجلس الدولة وقامت بالاعتداء بالضرب على السنهوري في مكتبه وهى تنادى بسقوط الحرية والديمقراطية.عام 1955 صدرت قوانين أعادت تشكيل مجلس الدولة وأسقطت حصانة أعضائه وأخرج نحو 15 عضوًا منه كان على رأسهم السنهورى باشا بالطبع ..عام 1962 تأسس الاتحاد الاشتراكي العربي الذي انضمت إليه جميع أجهزة الدولة باعتباره تنظيما سياسيا شعبًيا بديلاً للاتحاد القومي وهيئة التحريرلكن  رموز قضائية بارزة وقتها رفضت خضوع القضاء لتنظيم سياسي كان على رأسهم المستشار ممتاز نصار والمستشار يحى الرفاعى فاستقطب عبدالناصر وقتها مجموعة من القضاء داخل التنظيم الطليعى الذي كان بمثابة جهاز أمني يهدف إلى ضرب القضاء من الداخل.. وبدأ البكباشي لعبته الشهيرة( التنظيمات السرية داخل الكيانات) .. 
عام 1969  جرت انتخابات نادي القضاة التي خاضتها قوائم التنظيم الطليعى أمام قوائم القضاة الأحرار بقيادة المستشار ممتاز نصار الذي نجح في تحقيق انتصار ساحق على قائمة السلطة – التي دعمها وزير العدل  وقتها محمد أبو نصير ورفض عبدالناصر اعتماد نتيجة الانتخابات وأصدر عدة قوانين تحت شعار إصلاح القضاء وشكل المجلس الأعلى للقضاء برئاسة رئيس الجمهوريةالأمر الذى يؤكد خضوع القضاء بشكل كامل للسلطة التنفيذية
يرى الدكتور طارق البشري في كتابه (القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء) أنه على الرغم من أن ثورة يوليو أخضعت السلطتين التنفيذية والتشريعية لها إلا أنها سلكت مسلكا مغايرا مع السلطة القضائية (أسلوب اﻹحاطة والاقتطاع) دون أسلوب السيطرة المباشرة واﻹلحاق الصريح.. لكن  بعد 1970 تغير منهج السلطة التنفيذية في التعامل مع القضاء في عهدي السادات ومبارك  التى سعت الى اختراقه بكل أشكال الاختراق ..
 ويا سعادة الحكيم البشرى _لنا هنا عتاب _فما فعله أنور وحسنى ما كان إلا التطور الطبيعى لما بدأه صاحبهم ..وجرت الأيام بما تجرى به

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.