Menu

مبارك والإبريق المكسور : بقلم د.هشام الحمامي

مبارك والإبريق المكسور : بقلم د.هشام الحمامي
على الرغم من تجاوز علم النفس الحديث لأراء سيجموند شالومو فرويد (1856-1939) خاصة آراءه عن نظريات العقل واللاوعي والأحلام والرغبة الجنسية إلا أنه له نموذج طريف فى تفسير الأحلام.. يقول فيه عندما يتهمك جارك بأنك أرجعت اليه الإبريق الذى استعرته منه وهو مكسور فإن جوابك على جارك سيكون: أولا أنك أعدته إليه سليما,ثانيا أن الإبريق كان مكسورا حين استعرته,ثالثا أنك لم تستعرمنه إبريق أصلا..هكذا حكم حسنى السيد مبارك مصر طوال ثلاثين عاما وأكثر إذا أضفنا اليهم سنوات وجوده نائبا للسادات (1975-1981) . كنا نقول أن أخطاء البكباشى ج.ح.عبد الناصر أكثر وأسوا من أن تحصى وتعد لكن أسوأها على الإطلاق هو تعيينه السادات نائبا له وسنعلم أن أكثر اثنين من الضباط الأحرار كانوا يعرفون بعضهما بعضا معرفة تفصيلية كاملة هما الأخ جمال والأخ أنور ..وكنا نقول أيضا ان أخطاء السادات أكثر وأسوأ من أن تحصى وتعد لكن أسوأها على الإطلاق هو اختياره لحسنى مبارك نائبا له دونا عن جميع قادة حرب أكتوبر إذا استخدمنا منطقه فى تعيينه والذى قال  فيه ان شرعيه جديدة أسست لنفسها بدلا من شرعية يوليو وهى شرعية أكتوبر.
من المستحيل إذن تصور أن البكباشى اختار السادات وهوغير منتبه لتاريخه الذى هو ذاته وأفكاره وحياته وأجهزة المتابعة والمراقبة والمعاقبة فى دولة البكباشى كانت بعدد شعر رأسه كذلك من المستحيل تصور أن السادات اختار مبارك وهوغير منتبه لتاريخه الذى هو أيضا ذاته وأفكاره وحياته ,خاصة وان السادات كان شديد الانتباه والمتابعة لقادة الجيش من اليوم الأول لرئاسته وكان لديه شعور غريب انه إذا كان هناك خطرا على حكمه فان مصدر هذا الخطرهو الجيش وأولئك القادة الكبار الذين اعتبروا أن البكباشى وتابعه عامر قد أهدروا كرامتهم فى 5 يوينو بطريقه مهينة ومشينة. فأستعدوا لحرب أكتوبر وخاضوها وخرجوا منها وهم شيء أخر تماما ولهذا الموضوع تفاصيل مهمة وخطيرة نستطيع ان نفهمها من سيرة فخر العسكرية المصرية الشهيد عبد المنعم رياض(ذكرى استشهاده وسط جنوده  الخميس الماضى 9/3) . 
كل التقارير التى كتبت عن حسنى مبارك سواء ما يتعلق منها بصفاته الشخصية والأخلاقية أو ما يتعلق منها بصفاته العقلية والإدراكية لم تكن أبدا لترشحه لأن يكون قائدا لوطن أو رئيسا لجمهورية أو زعيما لشعب وكل من عمل معه رئيسا ومرؤوسا كان يعلم عنه ذلك تمام العلم.سنترك ما كتبه عنه الأستاذ هيكل مخزن السياسة والسلطة والمعلومات فى الخمسين سنة الأخيرة وحين يتحدث الأستاذ هيكل عن السياسة والسلطة على أرضية المؤامرات والتخابروالشهوات والصراعات والثأرات والخيبات الخسيس منها والأكثر خسة المنحط منها والأكثر انحطاطا فعليك أن ترهف سماعك وأذانك وكلك مع كلك وبعضك مع بعضك لتعرف وتفهم وتستنتج .                                                                                           أقول سنترك ما كتبه الأستاذ هيكل ونقرأ ما كتبه عن حسنى مبارك احد العقول الاستراتيجية والمعرفية والمخابراتية أيضا فى غرفات السياسة الأمريكية  د/روبرت سبرنجبورج الاستاذ في قسم شؤون الأمن القومي بكلية الدراسات العليا البحرية الأمريكية و الذى كان أستاذا  ايضا في دراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن وكان أيضا مدير معهد لندن /الشرق الأوسط ,الرجل له ما يزيد عن عشرة كتب فى الاسلام والسياسة والسلطة والعولمة وله دراسات وحوارات غاية فى الأهمية عن الجيوش العربية والثورات الأخيرة  قال فيها كلاما خطيرا..من اشهر مؤلفات سبرينجبورج (مصر مبارك:تفتيت النظام السياسي)كتبه فى بداية التسعينيات وهو موضوع المقال.. أيضا كتاب (السلطة الأسرة والسياسة في مصر) وكتبه فى بداية الثمانينيات .صاحبنا باختصار شديد واسع المعرفة بكل الحكايات المعلومة منها والمحجوبه التى تحدث فى مصر..ارض النيل والنخيل والشعب الاصيل. 
يتحدث المؤلف فى بداية الكتاب عن شخصية مبارك بعد 6 سنوات(1986) قضاها في الحكم واصفا إياه بانه كان لغزاً محيراً للداخل والخارج الا ان المصريين سرعان ما كتشفوا من خلال لقاءاته وحواراته أنه بطيء التفكير معدوم الخيال.. وللمصريين فى فهم رؤسائهم حكايات وحكايات وانه جاءته فرص كثيرة ليصنع رابطة قوية بينه وبين الناس لكنه أهدرها مثل ذلك  فترة ما بعد 25 و26/فبراير /1986 وأحداث الأمن المركزي الشهيرة , بالفعل تمكن مبارك من تجاوز الأزمة بسرعة واثبت قدرته على التعامل معها بسلاسة وتوقع كثيرون أن ينتهز فرصة الخطاب السياسي الذى ألقاه في مجلس الشعب بعد هذه الأحداث ليطلق مجموعة من المبادرات التي يمكن أن تعالج ما حدث وينتهزها فرصة ايضا لنقل البلاد نقلة نوعية جديدة لكنه أهدر الفرصة ما جعل الإعجاب ينتقل للمشير أبوغزالة الذي أشرف على عملية نزول الجيش فى الشارع وقتها.ويستطرد المؤلف قائلا نحن هنا  أمام رجل لايقدر قيمة العلاقات الاجتماعية الحميمة فحسب ولكنه أيضا ترك الانطباع بأنه معزول تماما عن المشاعرالعامة,إنه شخص لا يستطيع بوضوح قراءة الرأي العام بصورة حسنة ويجد صعوبة شديدة في الفهم والتعبير الحقيقي عن رغبات الجماهير بكلمات وأفعال مناسبة وملائمة.

 يقول ايضا: الفترة الأولي من حكم مبارك كشفت عن أنه يفتقد الإحساس بالوقت وأهمية استغلاله في إعادة بناء مصرعلاوة على عدم الحسم أو القدرة على اتخاذ القرارالمناسب تجاه المشاكل الطارئة التي تندلع فجأة وقد قامت إحدى المجلات عام 1986 بنشر ملحق عن الديمقراطية وصناعة القرار تحت حكم مبارك وملحق ثان من نفس العدد مع أسامة الباز مستشارمبارك للشئون السياسية الذى حاول التأكيد على قدرات مبارك السياسة فى اتخاذ القرار واستماعه لجميع الآراء كشفت هذا الحوارات العكس تماما من المقصود منها .كشفت عن ضعف قدرات الحسم واتخاذ القرارعند مبارك وهذا ناتج كما يقول الكاتب عن امتزاج عدد من العوامل الخاصة به على رأسها تكيفه لفترة طويلة مع البيئة العسكرية التي تعلم فيها وتفاعلها مع عوامل شخصية أخرى فى تكوينه,يقول ايضا وينفرد مبارك بين من حكموا مصر منذ 1952 بقلق بالغ من كشف الجوانب الشخصية في حياته وهذا يظهر بوضوح في تكتمه الشديد وتحفظه البالغ في مناقشة أي جوانب تتعلق بفترات شبابه أو تربيته المبكرة.وقد ذكر لي أيرل سوليفان الذى كان مدرسا فى الجامعة الأمريكية وقت دراسة زوجة حسنى مبارك بها أنه عرف منها أنهما عندما كان يسافران إلى لندن قبل أن يتولي منصب نائب الرئيس كان يعتذرعن التوجه معها إلى بيت أهلها في مقاطعة ويلز وأنه كان يفضل البقاء في غرفته في الفندق في لندن والخروج في جولات بمفرده إلى أن تنتهي زوجته من زيارة عائلتها.  

ويستطرد قائلا:عاش مبارك الحياة المريحة التي تعيشها الطبقات المتوسطة وقضي 40 عاما من عمره في الحياة العسكرية كان منها عام أكاديمي واحد عندما زار الاتحاد السوفيتي للتدريب لفترة قصيرة وكان في ذلك الحين متزوجا ورب عائلة وبعدما أصبح نائبا للرئيس قام بزيارات عديدة كلفه بها السادات ولكن كل هذه كانت أقل تماما من الخبرات المعرفية التي كونها عبدالناصر والساداتفي سنواتهما المبكرة تنقل عبدالناصر والسادات في أغلب بقاع مصر وكلاهما انخرط بشدة في سياسات العمل السري أثناء فترات المد المناهض للاستعمار ..حياة مبارك بالمقارنة بهما راكدة وبليدة وكان من غير المحتمل أن تخلق شخصية عميقة ومركبة تحركها طموحات وجموح وإحساس بأن القدر يخبئ له دوراً تاريخياً في حياة مصر. 
الكتاب بالغ الأهمية فى تصوير فترة بالغة الانحدار والاضمحلال السياسى والاجتماعى والفكرى..وبه معلومات مهمة عن ماضى مضى لكنه موصول بما نرى ولا نرى من أحداث وأشخاص وحكايات وسياسات. 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.