Menu

حين بكت المآذن والممالك والنواحى : بقلم د.هشام الحمامي

حين بكت المآذن والممالك والنواحى : بقلم د.هشام الحمامي
إذا ذكرت جملة الخلافة الإسلامية والأمة الإسلامية عليك أن تفسح المجال فورا لصور ذوى اللحى الكثيفة والملابس السوداء وهم يقطعون الرؤوس ويحزون الأعناق ويخطفون العذارى ويقطعون الفيافى مجلجلين بسيوفهم المخضبة بدماء الكفاروتحوطهم الرايات المكتوب عليها بكل _الأسفات_ أعظم شعارعرفته الإنسانية على دربها المديد نحو الحرية والرحمة والعدل (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
أقول ذلك فى ذكرى إلغاء الخلافة(الأمة) 3/3/1924م التى كانت تجمع تحت لوائها مللا وأعراقا وأجناسا ومذاهبا من المغرب وحتى المجر والنمسا .لتدخل المنطقة بعد هذا القرار اللئيم فى حقبة (سايكس بيكو) التى تكاد تنهى فصلها الأخير الآن وخوفا من أن يكون مافى تجربة المائة عام الماضية من فشل الدولة القومية وتحلل المجتمعات العربية والإسلامية حضاريا وأخلاقيا _ خوفا من أن يكون ذلك عبرة تاريخية لاستعادة الأمة لذاتيتها وجوهر وجودها فى التاريخ وكل هذه المبادىء التى جعلت لوجودها كل ذلك المعنى الذى كان لها :(الإسلام), وكما اعتبرت أوروبا من حروبها فسعت الى وحدتها التى طالما كانت حلما وإلهاما للمفكرين والفنانين ولازالت رغم ما يجرى الأن من تطرف يمينى عنصرى(تذكروا ما قاله هيجل عن نابليون الذى وصفه بأنه روح التاريخ ولوحة جاك ديفيد التى رسمها له وهو يعبر جبال الألب مشيرا بإصبعه نحو المستقبل على طريق وحدة أوروبا) ورغم الأصوات المتقطعة التى يتصايح بها اليمين المتطرف الأن إلا أن فكرة توحد أوروبا فى ظل حضارتها الإغريقية/ المسيحية كانت ولا زالت أملا كبيرا رغم افتقاد هذه الوحدة لعشرما تمتلكه الأمة الإسلامية من مقومات حضارية لبقاء وحدتها ,خوفا من كل ذلك خرج علينا ذوى السيوف واللحى وهم يحملون (فكرة الخلافة )على الرؤوس المقطوعة والأجساد المحروقة ليقطعوا الطريق على (أصحاب الحق والجدارة) فى الحديث عن ضرورة الرابطة الإسلامية (الخلافة) كجامع روحى وحضارى يجمع كل الأعراق والطوائف كما كانت الأمة دائما عبر كل تاريخها الطويل من يوم أن جاء الإسلام وجعل من العرب أمة.   
وإذا كان من معنى لهذه الذكرى العبوس القمطرير فهو ما نراه الآن فى المشرق العربى واليمن وليبيا من تصارع السفهاء والعملاء على التقسيم والتجزيىء فى ظلال بوتين وترامب .
فشلت الدولة القومية بقطريتها الضيقة وزعاماتها المختلة وإيديولوجياتها الممسوخة فى أن تقدم لشعوبها أى شىء حتى انتهت صلاحية وجودها فى أدنى مبرراته وتحللت وذابت تاركة وراءها كل أنواع الخراب و البؤس السياسى والاخلاقى والاجتماعي والفكري . 
يقول لنا التاريخ أن الأقليات الدينية فى العالم كله لم تر تسامحًا واستقرارًا كما رأته فى ظل الحضارة الإسلامية وتحت حكم (نظام الخلافة الإسلامية) وقد أجمع المؤرخون الغربيون على أن (المسلمين الأولين فى زمن الخلفاء لم يقتصروا فى معاملة الأقليات الدينية على مجرد الاحترام بل فوضوا إليهم كثيراً من الأعمال الجسام ورقوهم إلى مناصب الدولة)وكما قال المؤرخ والمفكر الإنجليزى هربرت ويلز صاحب الرواية الشهيرة آلة الزمن فى كتابه(معالم تاريخ الإنسانية)عن الحضارة الإسلامية وقت الخلاقة( إنها أسست فى العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم وإنها لتنفخ فى الناس روح الكرم والسماحة كما أنها إنسانية السمة ,ممكنة التنفيذ فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا الأن من قسوة وظلم اجتماعى عما فى أية جماعة أخرى سبقتها.. الإسلام مليء بروح الرفق والسماحة والأخوة). 
حين نعى شوقى الخلافة بأعذب وأعمق  وأوجع ما فى وجدانه شعرا وفكرا وقال قصيدتة الشهيرة عادت أغاني العرس رجعَ نواح/ ونُعيت بين معالـم الأفـراح/ كُفّنت في ليلِ الزفاف بثــوبه/ضجّت عليك مـآذنٌ ومنابـرٌ /ودُفنت عند تبلّج الإصبــاح 
وبكت عليك ممالكٌ ونَــوَاحِ
الهندُ والهةٌ ومصر حزينة/ٌ والشام تسأل والعراق وفارس/ أمحا من الأرض الخلافةَ ماحِ؟
 فى الوقت الذى قدم فيه شوقى هذا السؤال المروع كان هناك رجل أخر يختار موضوع رسالته للدكتوراه عن الخلافةعام1924مفى نفس عام إلغائها !! وهى الرسالة التى نشرت فى كتاب سنة 1926م بمدينة ليون الفرنسية هذا الرجل هوالدكتور عبد الرازق السنهورى ,الرسالة اشرف عليها أستاذا فرنسيا(ادوارد لامبير) والذى كان قد نصحه فى البداية بالابتعاد عن هذا الموضوع لحساسيته فى العقلية الأوروبية خاصة بعد الانتصار الذى تحقق فى الحرب العالمية الأولى 1918 والذى أدى إلى الإطاحة بالخلافة العثمانية وتوزيع ممتلكاتها على دول الحلفاء المنتصرين وفى مقدمتهم فرنسا ,إلا أن السنهوري ولثقته الكاملة فى مبادىء الإسلام فى مجال النظم القانونية و السياسية والاجتماعية أصرعلى أن يكون موضوعه للدكتوراة هو الخلافة الإسلامية (كان ذلك قبل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين ودعوتها المركزية الى عودة الخلافة عام 1928) كان السنهورى رحمه الله يؤمن إيمانا قاطعا بضرورة إعادة الخلافة فى صورةمنظمة دولية فى المستقبل(تحمل راية الإسلام وتخلد مبادئه و نظمه وتحمى وحدة أمته ومستقبلها وتمكنها من القيام بدورها فى المشاركة فى مستقبل العالم كأمه عظيمة خالدة موحدة) لعل ميشيل عفلق التقط منه شعارالبعث المشهور أمة واحدة ذات رسالة خالدة.
فى مقدمة الكتاب يشير السنهورى إلى إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924مبقوله: أنها المرة الثانية التى يجد العالم الاسلامى نفسه دون خلافة ,المرة الأولى كانت بعد هجوم التتار على الخلافة العباسية فى بغداد 1258م ثم يشير فى موضع أخر إلى أن موضوع بحثه ليس الإسلام كدين وعقيدة إنما بحثه ينصب على الشريعة باعتبارها علما وثقافة قانونية مليئة بالنظريات التي تثرى الفقة القانونى فى العالم كله فأنا كمسلم _يقول_ ملتزم بإخلاص شديد واحترام عميق للدين الاسلامى ,إثراء الشريعة للفقه القانوني فى العالم كله أشار إليه الأستاذ الفرنسى قائلا(دراسة السنهورى قدمت لمعهد القانون المقارن كتابا يفخربه فى مجال الدراسات المقارنة كما قدمت لعلم القانون المقارن والبحوث القانونية بصفة عامة اكبر خدمة علمية بإبراز مبادىء الشريعة الإسلامية الأصيلة فيما يتعلق بنظام الدولة وأصول الحكم على حقيقتها التي يجهلها العلماء الأوربيون أو يتجاهلونها نتيجة المحاذير السياسية ورواسب التعصب المنتسبة إلى المسيحية وهى فى حقيقتها مظهرمن مظاهر الأطماع الاستعمارية) 
يخلص السنهوري فى دراسته الرائعة والتى كان موضوعها الرئيسى فكرة الخلافة كإطار سياسى جامع إلى أن مبدأ الفصل بين السلطات هو أساس نظام الحكم الإسلامي خاصة ما يتعلق بالسلطة التشريعية التي يجب أن تكون مستقلة استقلالاً تاماً عن الخليفة.
إجماع الأمة هو مصدرالتشريع الإسلامي وأن الأمة هي التي تعبر عن الإرادة الإلهية بإجماعها وليس الخليفة أو الحاكم بسلطته/ سيادة الأمة يؤدي بالضرورة إلى سيادة السلطة التشريعية ويجب ألا يملكها فرد مهما تكن مكانته خليفة كان أو أميراً أو ملكا أو حاكماً أو فهي لله تعالى وهو سبحانه فوضها للأمة في مجموعها والتي يجب أن يرتبط بها(الإجماع) في شكله الصحيح. 
هذا الكلام العلمي الدقيق الذي اشرف على إنتاجه عالما فرنسيا كبيرا وصف د السنهوري بأنه(عالم مسلم ناشىء فذ)وأكد على فائدة الكتاب للقراء العرب في انه سيوضح الفرق بين المبادىء الإسلامية التى تقوم عليها نظرية الخلافة ونظام الحكم وبين الممارسات التاريخية التى ابتعدت عن تلك المبادىء فى بعض الأوقات وفوق ذلك يستخلص من الأصول النظرية والتجارب التاريخية والواقع العصري للعالم الاسلامى خطة جديدة لإعادة بناء الخلافة فى المستقبل فى صورة منظمة دوليه شرقية إسلامية كما قال الأستاذ المشرف على الرسالة  
لم يكن عبد الرازق السنهورى باشا غائبًا عن الواقع حين اختار موضوع رسالته عن الدكتوراه لتكون عن (الخلافة الإسلامية)وهو رجل الدولة العظيم الذى كان يكتب رسالة دكتوراه للمستقبل وليس نعيًا وتأبينًا لماضى مضى وانقضى..ولسوف تأتى الأزمان لتعطى هذا الجهد الكبير تقديره وتحقيقه وصدقيته .

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.