Menu

قراءة عربية .. في وقائع فرنسية : بقلم أيمن الصياد

قراءة عربية .. في وقائع فرنسية : بقلم أيمن الصياد

لا أظن أحدا اهتم بالانتخابات الفرنسية مثلما حدث هذه المرة. السبب لم يكن الرجل الذي فاز، بل المرأة التي خسرت.

فاز ماكرون، وأنقذ فرنسا، بل ولعله أنقذ أوروبا. ورغم أن النتيجة لا تعني بحال نهاية اليمين الشعبوي المتصاعد في الغرب (الحقبة «الترامبية»)، إلا أن فيما وراء الصناديق، كما في التفاصيل والوقائع ما ربما كان علينا أن نقرأه جيدا. 

ـــــــــــــــــــــــــ

بالفرنسية: «هذا أفضل» .. غلاف «ليبراسيون»

ليست هزيمة نهائية للشعبوية «الترامبوية». ولا للتعصب والعنصرية، ولا لليمين المتطرف. ولكن في تفاصيل ما جرى مشاهد، ووقائع .. ودروس

كنت، كما غيري أثق في أن الفرنسيين المتمسكين بقيم الجمهورية «العلمانية» لا يتنازلون عن مكتسباتهم بسهولة. وأعرف أن العلماني / الليبرالي الحقيقي يعطي الحق للآخر في أن يعتنق ما يشاء، لا فارق بين أن تكون مسلما، أو ملحدا، أو تعبد البقر. وأعرف أن الفرنسيين ذهبوا إلى الصناديق بكثافة عام ٢٠٠٢ (ما يقرب من ٨٠٪ ممن لهم حق التصويت) لينتخبوا چاك شيراك حتى لا يصل والد السيدة «مارين لوبان»، ومعلمها  إلى قصر الإليزيه، ولكني أعرف أيضا أن مياها كثيرة جرت في النهر، وأن هناك مائة سبب وسبب وراء صعود اليمين المتطرف في أوروبا. وأعرف أن الروس لا يوفرون جهدا استخباراتيا (عبر آلية الأخبارالكاذبة، أو غيرها) للدفع بالشعوبيين الجدد إلى مقاعد الحكم في الغرب كله. وأعرف قبل هذا كله أن هذا عصر «الترامبيين»،وديماجوجيتهم «الجوبلزية» الغاسلة للعقول. ولهذا كنت، كغيري من «المترقبين» لجولة الانتخابات الفرنسية الثانية بين السياسي الشاب (٣٩ سنة) المستثمر القادم من رحم الحزب الاشتراكي إيمانويل ماكرون، وبين مارين لوبان السياسية المخضرمة، والعنصرية صعبة المراس.

كنت بين الذين ارتاحوا لفوز ماكرون، وإن كنت لم أعتبره هزيمة نهائية للشعبوية «الترامبية». ولكن أيا ما كان الأمر، فأحسب أن في تفاصيل ما جرى مشاهد، ووقائع.. ودروس. 

الملحوظة الأولى، التي لا نعرف مثيلها طبعا في عالمنا العربي، وغير المألوفة حتى فرنسيا أن الرئيس الذي يحكم «فرانسوا هولاند» لم يتقدم لخوض المنافسة على منصب الرئاسة لدورة ثانية. رغم أنه هو نفسه الذي كان قد أطاح بثعلب السياسة الفرنسي نيكولا ساركوزي في مثل تلك الأيام قبل سنوات خمس. وربما بيننا من يذكر أن «الچنرال» شارل ديجول، قائد المقاومة ضد الاحتلال النازي، وأحد عمالقة الستينيات كان قد فعل ما هو أكثر باستقالته قبل أن تنتهي مدته (١٩٦٩)، عندما شعر بأن رياحا جديدة، وأفكارا جديدة تهب على فرنسا، وربما العالم كله مع هتافات الطلبة الذين نزلوا إلى الشوارع في مايو ١٩٦٨.

في المشاهد الفرنسية أيضا، أن حياة سياسية «حقيقية»، وحوارا عاما لا يتوقف، ولا يعرف قمعا أو إقصاء، هو الذي سمح في نهاية المطاف بانتخابات «حقيقية» تأتي بهذا الرجل القادم من خارج النخب السياسية التقليدية، ومن خارج الأحزاب الكبرى. وهو الذي سمح، في التحليل النهائي بما يحول دون سقوط القيم الليبرالية الفرنسية تحت هراوات العنصرية والتعصب والشعبوية. أما أن يتحدث إعلامك عن ما يسميه انتخابات رئاسية (مستغربا غياب «ماكرون مصري»)، في الوقت الذي تمنع فيه أجهزتك الأمنية اجتماعا لبرلماني مع مواطني دائرته (كما حدث مع النائب هيثم الحريري قبل أيام)، فضلا عن حملات التشويه الممنهجة لهذا أو ذاك (والأمثلة أكثر من أن تحصى) فأنت لا تعرف الديمقراطية، ولا تعرف أن الانتخابات «الحقيقية» ليست مجرد صناديق اقتراع، بل مجال عام مفتوح يسمح ببلورة قوى سياسية «حقيقية»، وبنقاش عام «حر». 

في ذاكرتنا «الانتخابية» القريبة أن أجهزة الأمن ألقت القبض ذات يوم على عدد من شباب «حزب مصر القوية» بتهمة حيازتهم لملصقات حزبية تدعو الناخبين للتصويت في اتجاه معين حين جرى الاستفتاء على الدستور (يناير ٢٠١٤). يومها لم تكترث السلطة الحاكمة بحقيقة أن الحزب حزب شرعي مشهر رسميا، وليس جماعة سرية مخالفة للقانون. وأن إبداء الرأي في الأمور العامة، ودعوة المواطنين إلى تبني هذا الرأى أو ذاك، ليس فقط من صميم عمل الأحزاب. بل لم تنشأ الأحزاب أصلا إلا لمثل هذا. 

بالمناسبة، وإن اختلفت التفاصيل فما تعرض له أعضاء حزب مصر القوية يومها، لا يختلف في مدلوله أو  توصيفه النهائي عن ما تعرض، أو يتعرض له حزب الدستور أو المصريين الأحرار، أو غيرهما من محاولات تدجين أو نسف من الداخل.

تعلمنا إذن من التجربة الفرنسية أن الفرنسيين لم ينجحوا (واقعيا) في مواجهة «الترامبوية» الشعبوية العنصرية المعادية للآخر، إلا بفضل حيوية سياسية لا تتوافر إلافي مناخ منفتح، وثقافة ديمقراطية «حقيقية» لا تلك الشكلية التي تعتبر أن دساتير «النوايا الحسنة» ليست أكثر من ديكور نتجمل به أمام  الغرباء.. والمانحين.

***

من التجربة الفرنسية، تعلمنا أن حرية الصحافة «الكاشفة» هي السبيل الوحيد لتعالج الديموقراطية، ما قد يصيب النخب السياسية من عفن

في التجربة الفرنسية ــ التي خبرها بالطبع كل من تابع الانتخابات ــ صحافة حرة كشفت فساد رموز سياسية كبيرة (فرانسوا فيون مثالا) دون أن  تخشى قوانين تسن «لحماية الرموز». وكان كافيا، فيما تابعنا أن تكشف الصحافة استغلال هذا أو ذاك لنفوذه في «تعيين أقاربه» لتطيح بمستقبله السياسي.

من التجربة الفرنسية، تعلمنا كيف أن «الشفافية» هي السبيل الوحيدةلمكافحة الفساد. وكيف أن حرية الصحافة «الكاشفة» هي السبيل  الوحيدة لتعالج الديمقراطية، ما قد يصيب النخب السياسية من عفن. في المجتمعات التي تعرف الشفافية، لا مكان للأوليجاركيا ولا لمراكز القوى ولا لـ«القطط السمان». كما لا يمكنك طبعا أن تسمع عن إيقاف طباعة جريدة لأنها تجرأت فكشفت عن أن موظفي جهات سيادية يتهربون من دفع الضرائب التي يدفعها المواطنون العاديون (حدث مثل هذا عندنا مع جريدة الوطن المصرية في مارس ٢٠١٥)، كما لا مكان طبعا لمثل ما حدث عندنا أيضا قبل أسابيع من «فرم» لنسخ جريدة موالية، ليس لكونها تقدم «خطاب كراهية» تجرمه كل المواثيق الإعلامية المعروفة، ولا لكونها تؤلب المواطنين على فئة منهم، وإنما (لا تستغرب) لمجرد أن صفحاتها تضمنت مقالا يطالب بإقالة وزير.

في المشاهد الفرنسية، وبعكس كل «الترامبيين»، بمن فيهم لوبان، ومثيلاتها شرقا وغربا، لم يلوح الرئيس الفرنسي القادم بـ«فزاعة الإرهاب»، رغم أن فرنسا لأسباب موضوعية ومفهومة، هي الأكثر (بين الدول الأوروبية) عرضة لمثل تلك الهجمات الإرهابية. لم يتجاهل المرشح الشاب المشكلة «الأبرز إعلاميا»، ولكنه في الوقت ذاته لم يخف مواطنيه من الفوضى والدماء ليستجدي شعبية زائفة، بل كان بشجاعة الاعتراف بأن مقاومة الإرهاب تعني أولا الإقرار بأسبابه، وبالظروف التي تمثل حاضنة فكرية واجتماعية له. وبأن «القمع والإقصاء والتهميش» عناوين ثلاثة تقف على رأس هذه الأسباب. اعتبر ماكرون «العلماني» أن خطر تفشي الإسلاموفوبيا في المجتمعات الأوروبية لا يقل خطرا عن انتشار الإرهاب. بل وربما يصبح في مرحلة ما أحد روافده. منبها إلى أن العلمانية الحقيقية عليها أن تضمن الحريات الدينية، لا أن تعمل على مصادرتها. ولعل الذين تابعوا مناظرته الانتخابية مع منافسته يتذكرون تحذيره من «خطاب الكراهية الإقصائي» لأمثال لوبان يساعد الإرهابيين في واقع الأمر،  ومن شأنه أن يقود البلاد إلى انقسام يشبه الحرب الأهلية.

***

لم ينجح الفرنسيون في مواجهة العنصرية المعادية للآخر، إلا بفضل حيوية سياسية لاتتوافر إلا في مناخ منفتح، وثقافة ديموقراطية «حقيقية»

ربما لا يكون إيمانويل ماكرون (٣٩ عاما) هو الوحيد الذي تولى قيادة بلاده في مثل هذه السن الشابة، فجون إف كيندى كان في الثالثة والأربعين، كما أن باراك أوباما لم يكن قد وصل إلى الخمسين حين دخل  إلى البيت الأبيض كأول رئيس خارج «النخب البيضاء التقليدية» في تلك البلاد التي وضعت تقاليدها الأولى أيام البحث عن الذهب، ولكن يظل ما علينا أن نتعلمه هنا أن أحدا من هؤلاء لم يصل إلى مكانه عبر البرامج «الاحتفالية» لتمكين الشباب، ولا عبر منحة حكومية، ولا توريث ملكي. بل ببساطة عبر نظام سياسي واجتماعي «يسمح لكل الأزهار أن تتفتح» لا مكان فيه لقمع فكري أو كهنوت سلطوي، ولا سيادة فيه لثقافة بطرياركية أبوية، لم تنجح مجتمعاتنا العربية أن تتخلص منها. لا تخدعكم الظواهر البراقة التي قد تبدو مغايرة، إذ تظل الرواسب الثقافية واقعيا كامنة وحاكمة.

فى الوقائع الفرنسية (أيضا) أن الفرنسيين أوصلوا الرجل إلى قصر الإليزيه. دون إعطاء اهتمام يذكر لمسألةزواجه من مدرسته التي تكبره بربع قرن (٢٥٥ عاما)، ولا بأن علاقته «الخاصة» بها بدأت حين كان مراهقا في  الخامسة عشرة، في حين كانت هي زوجة تقترب من الأربعين ولديها ثلاثة أطفال. فعند صناديق الاقتراع تبقى «البرامج السياسية» هي الحاكمة. أما عدا ذلك من أمور «شخصية»، أو حتى معتقدات المرشح «الدينية» فتبقى خارج المعادلة. 

«لماذا يزعجهم ارتباطي بامرأة تكبرني، في حين لن يزعجهم إن كنت أنا الذي أكبرها بعشرين عاما» - ماكرون

على الهامش، ذكرني أصدقاء فرنسيون بما كان قد قاله «المرشح الشاب» تعليقا على الموضوع، حين تساءل في مقابلة صحفية: «لماذا يستوقف البعض ارتباطي بامرأة تكبرني، في حين لن يستغرب هذا البعض ذاته إن كنت أنا الذي أكبرها بعشرين عاما». ويبدو أن السؤال، على بساطته وجد مكانه المناسب عند الفرنسيين.

***

يبقى أنه كما كان أوباما شجاعا، وينتمى «للإنسانية» بمعناها الواسع حين صمم أكثر من مرة أن ينفي عن الإسلام والمسلمين صفة الإرهاب، (بعكس قادة لدول «إسلامية» لا  يؤرقهم كثيرا هذا الربط) كان ماكرون شجاعا «وإنسانيا»، حين اعترف بفظائع الاستعمار الفرنسي في الجزائر. ففي حديثه لقناة «الشروق» الجزائرية (فبراير ٢٠١٧)، لم يتردد السياسي الفرنسي في أن يصفاستعمار بلاده للجزائر (١٨٣٠ ــ ١٩٦٢). على أنه «جريمة ضد الإنسانية»، مردفا: «لقد كان بربرية حقيقية.. وعلى الفرنسيين الاعتذار».

***

وبعد..

فبالتأكيد إيمانويل ماكرون، كما غيره ليس نبيا. فقد مضى عهد الأنبياء. كما قد لا يكون بالنسبة لفرنسا ديجول «المحرر»، ولا شيراك «المستقل». كما قد لن ينجح طبعا في إنقاذ الليبرالية الغربية، كما الاشتراكية الديمقراطية من رياح القرن الحادي والعشرين العاتية. هو، دون زيادة أو نقصان سياسي شاب، طرح خطابا مغايرا لخطاب لوبان العنصري البغيض. ومن اختاره من الفرنسيين، ربما لم يقصد اختياره بقدر ما قصد إنقاذ فرنسا وقيمها «الجمهورية» النبيلة من أن تلوثها شعبوية «ترامبوية» بغيضة. ولكن هذا لا يحول دون حقيقة أن في «الوقائع الفرنسية» ما علينا أن نقرأه جيدا، فضلا عن أن نتعلمه.

…..

ثم ربما كان علينا بعد ذلك ونحن نحتفل بفوز إيمانويل ماكرون، بكل ما يمثله من حيوية واحترام للآخر. أن ننتبه إلى حقيقة أن مارين لوبان، أو بالأحرى ما تمثله من «ترامبوية» تنخر في جسد الحضارة الإنسانية الحديثة لم تنهزم بعد.. ولعل هذا يكون موضوعا لمقال مقبل، نحاول فيه أن نتخلص من مشاعر طمأنينة أخشى أن تكون زائفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

 نقلا عن الشروق

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.