Menu

الجائع لن يأكل الحجارة : بقلم شريف أيمن

الجائع لن يأكل الحجارة : بقلم شريف أيمن

لا يوجد تصريح رسمي حتى الآن من الاتحاد الأوروبي حول مراقبته لما تُسمى بالانتخابات الرئاسية المصرية المزمع عقدها في آذار/ مارس المقبل، لكن الرواية "الودية من أشخاص رسميين" تقول إن الاتحاد الأوروبي رفض مراقبة الانتخابات - كما فعل في 2014 - لأنه يرفض أن يكون غطاء لعملية انتخابية لا يراقبها بشكل فعليّ، ويعتبرون أن مراقبة الانتخابات تبدأ من جداول الناخبين حتى إعلان النتيجة، لا مجرد الحضور لإعطاء انطباع بأن هناك انتخابات نزيهة جرت تحت إشرافهم.

رغم هذا الموقف لن ننسى أن الاتحاد الأوروبي يساهم في دعم الديكتاتوريات في المنطقة، إما بشكل مباشر كما يجري بمصر، أو بشكل غير رسمي بتعويق عملية التغيير، كما يجري بسوريا. وهذا الدعم الذي يقف مقابل موقف رفض المراقبة؛ يحتاج لفهم أسباب هذا التناقض.

 تقول الرواية أيضا أنهم يختلفون مع السيسي في ملف حقوق الإنسان، لكنهم يرون أن الرجل حقق الاستقرار في مصر، وهذا ما يفسر موقفهم المتناقض. ويبدو أنهم فقط يقصدون استقرار التوجه السياسي المهادن لطلباتهم، إذ الاستقرار على المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية غائب تماما، وأصبح حلما بعيد المنال عن المصريين؛ في ظل تلكالقيادة السياسية التي تسير نحو الاستمرار في منصبها لمدد غير متناهية بدعم غربي كامل، وتماشيا مع حالة المعارضة المصرية المتشرذمة لحسابات خاصة أو استجابة لضغوط أمنية.

استطاع النظام المصري شراء بقائه في السلطة؛ عبر تنازلات مجحفة للمواطنين وبمقدرات الوطن. فسعى لعقد صفقات تسليح أضرت بالوضع الاقتصادي المصري في مسألة ليست من أولويات الإنفاق. فالتسليح مطلوب بالطبع، وتزداد أهميته عند توقع الحروب لكن الواقع أن العدو الوحيد بالمنطقة "إسرائيل" يعيش في أحلى أيام حياته مع النظام المصري الحالي. وقد تنوعت صفقات السلاح بين روسيا وفرنسا وألمانيا وغيرهم، في عملية شراء شرعية دولية، تقبلها الغرب بصدر رحب، وتلقاها المواطن بإفقار غير معهود.

وعلى مستوى الوطن، تنازل النظام عن قطعة أرض لها أهمية استراتيجية بالغة الحيوية، كما تجري ترتيبات ما تسمى بصفقة القرن بسرعة بالغة، فيما يبدو أن تنازلات أخرى عن الأرض ستحدث. فإذا كان الغرب يتوقع من "استقرار التوجه السياسي" أنهسيؤدي لاستقرار في المنطقة رغم فداحة الترتيبات المرجوة، فليهنأْ حينها بهذا النظام، وليشترك معنا في تحمل تكلفة بقائه وقت تصاعد الهجرات غير الشرعية إليه، أو غير ذلك من مؤشرات فقدان الانتماء الوطني؛ الناتج عن استحالة التكيّف مع الواقع المعيش على كل المستويات. 

لقد تعاملت بعض الأطراف المعترضة على سياسات النظام المصري بمسؤولية ورشد، حين قبلت خوض الانتخابات من حيث المبدأ. ومع تضييقات النظام على المرشحين المحتملين، تعاملت المعارضة بمسؤولية أكبر وواقعية كذلك، فكانت على استعداد لدعم رئيس الأركان السابق سامي عنان. لكن النظام لم يتعامل بمسؤولية ولم يتعامل بعقلانية، بدءا من اعتقال أحمد شفيق، وهو رئيس وزراء سابق ومرشح رئاسي سابق ووزير طيران سابق وحاز رتبة فريق في الجيش المصري، أيضا اعتقال العقيد أحمد قنصوة من الجيش، وأخيرا اختطاف رئيس أركان الجيش السابق الذي حاز رتبة الفريق كذلك، وإخفائه قسريا لبضعة أيام ثم إيداعه السجن الحربي بعد ذلك، فضلا عن ممارساته ضد المدنيين المهتمين بالشأن العام، أو المنتمين لحملة عنان.

التجمعات المعارضة كانت على استعداد لخوض معركة انتقال هادئ للسلطة عبر عسكري سابق، وهي صورة لا تؤدي للمساس "بالاستقرار"، لكن النظام هو الذي يزيد الاحتقان داخل مؤسساته أولا، وداخل المجتمع ثانيا، بما لا يضمن أي درجة من درجات الاستقرار على المدى الطويل. ولو أُريدَ تمرير بعض الترتيبات حاليا في ظل نظام يخضع لكل إملاء خارجي ويقمع كل مطلب شعبي، فلا بد من إدراك أن هذه الترتيبات قصيرة الأجل، وستنتهي بانتهاء النظام الذي قَبِلها. ولا يمكن فرض القمع على الدوام، كما لا يمكن تغيير قناعات الشعوب بالجبر، وتلك اللحظة هي التي تتذكر فيها الشعوب من كان معها ومن وقف ضد إرادتها.

على السياق الداخلي، نحن أمام ثلاثة مواقف: أحدها للأجنحة المعارضة وثانيها للشارع وثالثها للسلطة السياسية. فعلى مستوى المعارضة، فقد أحدث إعلان عنان نيته للترشح حالة أمل في تغيير سياسي هادئ. ومساء الأحد الماضي، صدر بيان من مرشحين سابقين للرئاسة وفريق عنان الرئاسي؛ ليُحدث نقلة في المطالب السياسية "من الداخل"، مما يستدعي استتباع تلك الخطوات بأخرى تزيد من الضغوط على الحالة القمعية بمصر. لكن يبدو أن هناك أطرافا من أجنحة المعارضة يمكن للأمن السيطرة عليها بتحديد سقفها، وأطرافا أخرى تجتر الخلافات الأيديولوجية وتمارس الإقصاء السياسي لأبناء التيار السياسي الإسلامي، دون تمييز بين أجنحة هذا التيار على الجانب الفكري أو الجانب القانوني المتعلق بقبول الدولة لبعضهم كأحزاب سياسية، وهذا ما بدا في أزمة ما يُسمى بالكتلة المدنية مع حزب مصر القوية ذي الجذور الإسلامية. وهذا التخبط يُعْلِمنا السبب الحقيقي لنكبة الثورة المصرية التي نعيش في أجواء ذكراها، إذ قام الشارع بدوره في الاحتشاد والثبات لتغيير النظام، لكنه للأسف سلّم السياسة لمن لا يستحق تمثيله في المحافل السياسية فوصلنا إلى ما وصلنا إليه.


وموقف الشارع ربما تمثّل في مشهد أحد المرشحين غير الجادين للرئاسة وهو واقف في الشارع يدعو الناس لانتخابه، فتفاعل الواقفون بتصويره والهتاف له وسؤاله عما سيقدمه للشارع، وكل ذلك يجري بقدر كبير من المزاح والسخرية، في مشهد صغير يعبر عن صورة كاملة، أطرافها مرشح هزلي وشعب يسخر منه ومن الحدث.

أما موقف السلطة السياسية، فهي تروج للمشاريع الكبرى كإحدى الإنجازات، وتروج لإزاحتها للإخوان من السلطة ودحرها للإرهاب. والواقع أن الإرهاب تزايد منذ أن قررت الأطراف الدموية في السلطة نقل المعركة السياسية لمعركة بقاء ووجود. وإزاحة الإخوان ليست أمرا يتم التباهي به عندما يجري بصورة انقلاب عسكري على "اختيار شعبي"، أما المشاريع الكبرى، فهي الوهم الأكبر الذي صنعه النظام، ويقول رأسه أن منها ما كان لرفع الروح المعنوية للشعب، فأي رفع للروح المعنوية هذا الذي يؤدي إلى إفقار المجتمع.


تطالبنا السلطة بالصبر إذن، وكنا نتمنى الاستجابة لها، لولا أن ما قامت به فيما يسمى بعملية الإصلاح الاقتصادي أوصل الديون الخارجية لـ100 مليار دولار، وإجمالي الدين العام تجاوز ثلاثة تريليونات جنيه مصري، وزادت أسعار المحروقات والسلع الغذائية والملابس والكهرباء والغاز والمياه والأدوية، وكل ضروريات الحياة، فضلا عن الاحتياجات الأقل أهمية، ولا حديث هنا عن الكماليات. تطالبنا السلطة بالصبر وهي تنفق ببذخ في مؤتمراتها، وتبني مشاريع وهمية لمجد شخصي لا لمصلحة وطنية.

إن ما نرجوه أن نعيش بكرامة، وأن يتناسب الدخل مع الأسعار، لا نريد تفريعات لقنوات مائية ولا شراء السلاح بغير حاجة ولا بناء المساكن والطرق.. نريد في المقام الأول الاهتمام بالتعليم والصحة والبنية التحتية ووسائل الانتقال، ونريد ما يرفع من قدرتنا على تحمل مصاعب الحياة، ففي النهاية لن نأكل الحجارة التي تبنونها.

نقلا عن عربي ٢١

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.