Menu

أحبّ روايات ماركيز إلى نفسه : بقلم حسن مدن

أحبّ روايات ماركيز إلى نفسه : بقلم حسن مدن

لم يكن ماركيز يرغب في كتابة رواية عن الجنرال سيمون بوليفار حين كتب روايته: «الجنرال في متاهته». كان يرغب في كتابة رواية عن نهر اسمه ماغدولينا، فلقد نزل إلى هذا النهر وصعد إحدى عشرة مرة، لذا فإنه يعرفه جيداً،

وكل ما يحيط به، قرية بقرية وشجرة بشجرة، لكن في لحظة معينة وجد أن أفضل ذريعة للحديث عن هذا النهر وسرد حكايته هي الحديث عن السفر الأخير للجنرال سيمون بوليفار.

يحدث إذن أن يُغير الكاتب وجهة كتابته وخطتها عند الشروع في العمل، أو حتى عند بدء التفكير في الصورة التي يجب أن يظهر بها، ما يؤكد أن الكتابة تملك درجة ما من الاستقلالية عن صاحبها، لا بمعنى تشدق البعض بأقوال من نوع: الرواية تكتبني أو اللوحة ترسمني، كأن لا هيمنة للمبدع على ما يبدع، وإنما بمعنى أن سياق العمل نفسه أثناء الشغل عليه قد يفرض مسارات لم تخطر على الكاتب عندما شرع أول مرة في كتابته.

ستغدو هذه الرواية هي أحبّ روايات ماركيز إلى نفسه، وليست «مئة عام من العزلة»، بل إني أذكر قولاً له في مقابلة صحفية أجريت معه بعد فوزه بجائزة نوبل إنه يفضل الرواية الصغيرة: «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» على «مئة عام من العزلة، » ولعل هذا يعيدنا إلى أجواء مقال سابق عن العمل الأشهر للكاتب الذي يصبح عبئاً عليه.

عن «الجنرال في متاهته» قال ماركيز إنها الرواية الوحيدة التي يشعر إزاءها بارتياح مطلق، لأنه اشتغل على إعدادها أكثر من أي رواية أخرى، فقد تطلب منه الأمر ثلاث سنوات من الكتابة وثلاث سنوات من البحث كي يشرع في كتابتها. هذا أولاً؛ وثانياً لأن النتيجة كانت جيدة وأتت متطابقة مع توقعاته بخصوص تلقي الرواية، لذا فإنه يعدها الرواية التي تتمتع بكامل المميزات التي كان يود أن يمنحها إياها من وجهة النظر الفنية كما هو الشأن أيضاً من وجهة النظر التاريخية والأدبية.

يعزو الكاتب أحد أسباب نجاحه في هذه الرواية هو أن أحداً لم يقم بتدوين ملاحظات أو كتابة مذكرات عن سفرة الجنرال سيمون بوليفار الأخيرة، ما أطلق للكاتب العنان في تخيل الأحداث.

الكثيرون أحبوا رواية ماركيز «الحب في زمن الكوليرا» التي لقيت نجاحاً منقطع النظير، ولكن الكاتب نفسه لم يشعر بنفس الدرجة من الارتياح إزاءها مقارنة بذلك الذي يشعره إزاء «الجنرال في متاهته»، والسبب عائد إلى الخوف الشديد الذي انتابه وهو يكتب الأولى من الانزلاق إلى الميلودراما، أو إلى ما وصفه ﺑ«الفن الرديْ»، وهو أمر أفلح الكاتب، على كل حال، في تجنبه.

نقلا عن موقع التجديد العربي

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.