Menu

«المدينة الفاضلة» لتوماس مور: الخيال العلمي للصراعات السياسية

«المدينة الفاضلة» لتوماس مور: الخيال العلمي للصراعات السياسية

كانوا كثرة، على مسار تاريخ الفكر، والفكر الفلسفي في شكل خاص، أولئك الفلاسفة الكبار الذين لم ينصرفوا فقط الى التأمل في قضايا الوجود والما وراء والأخلاق الإنسانية وبعض المسائل العلمية، بل تجاوزوا ذلك كثيراً بحيث أنهم وجدوا من الطبيعي لهم أن يتدخلوا في المسائل السياسية. غير ان تدخل الفلاسفة في السياسة كان دائماً ما يتم من طريق كتابات نادراً ما تتخذ شكل الكتابة السياسية المباشرة. ومن هنا كان ذلك النوع الفكري الخاص الذي وسم كل تلك الكتب التي أتت على مر التاريخ لتتناول بالشرح والتحليل ما يمكن ان نسميه «المدن الفاضلة» استنادًا الى التعريف الموفق الذي يرد في عنوان الكتاب الأشهر للفيلسوف المسلم ابو نصر الفارابي. وفي سياق هذا النوع من المؤلفات ثمة مكانة خاصة تكرس لكتاب «يوتوبيا» للسير توماس مور، الذي عرّفته السينما ذات يوم من القرن العشرين، بلقب «رجل كل العصور». و «يوتوبيا» هو بالتحديد كتاب عن «مدينة فاضلة» تخيل الفيلسوف الإنكليزي النهضوي الإنساني، والذي كان مستشاراً للملك هنري الثامن، وجودها في جزيرة متخيلة تقع في نصف الكرة الجنوبي في موقع يرى كثيرون انه موقع جزر اليابان، بمعنى ان توماس مور استعار اليابان، الى حد ما، ليجعل منها المكان الذي يعيش فيه الناس تلك الحياة «الفاضلة» التي نقل تفاصيلها في سياق كتابه، بحار يدعى رافائيل هيثلوداي، بعد ان عاش فيها خمسة اعوام.

في البدء لا بد من الإشارة الى ان الاسم الذي اختاره توماس مور لكتابه ولمدينته الفاضلة، عاد وأسبغ لاحقاً على المدن الفاضلة المتخيلة كلها، من جمهورية افلاطون، الى عالم هاكسلي «الطريف الشجاع» مروراً بـ «بمدينة الله» للقديس اوغسطين - الى حدّ ما -، و «مدينة الشمس» لتوماسو كامبانيلا، وعشرات «المدن» الأخرى التي كانت غايتها دائمًا اعطاء صورة مسهبة، للعالم كما يجب ان يكون من وجهة نظر المفكرين.

> العالم كما يجب ان يكون، هو الغاية اذاً من كتابة تلك النصوص، وهذه الغاية لئن دلت على شيء فإنها تدل بالطبع على نوع من التفاوت في الرؤية بين الأفراد المتميزين، وهم غالبًا ما يكونون من الفلاسفة وفي شكل أكثر تحديدًا: الفلاسفة المنخرطين في الصراعات السياسية بمعنى أتم، حديثهم عن تلك المدن إنما يأتي دائمًا في معرض استهجانهم الواقع الذي يعيشون فيه ويتطلعون الى تغييره، نحو الأفضل، بحيث انهم في نصوصهم إنما يقدمون الوصفة الفكرية - السياسية - الاجتماعية التي ينبغي ان يتم التغيير على أساسها. ولكن من دون ان يزعموا انهم يملكون الوسائل التي تمكنهم من ذلك. هم فقط يعرفون كيف يجب ان تكون المدن الفاضلة وعلى الآخرين العثور على مفاتيحها. وهم يعرفون بالطبع الآفات التي تنهش المجتمعات التي يعيشون فيها، ما يدفعهم الى البحث عما هو افضل. وبالنسبة الى توماس مور، كانت الحياة في «يوتوبيا» (وتعني شيئاً قريباً من «اللامكان») هي الحياة المثالية التي يتعين على بني البشر اتباعها. غير ان ما ينبغي التوقف عنده هو ان هذا الكتاب الغريب والمسهب في تفاصيله، لا يمكن احتسابه صورة لدولة يتعين بناؤها، بقدر ما ينبغي اعتباره، وفي الوقت نفسه، انتقادًا للمجتمع الإنكليزي والأوروبي زمن وضع الكتاب، اي بداية القرن السادس عشر (1515). الكتاب هو بعد كل ذلك دعوة الى اتباع أعلى القيم الروحية بغية الإفلات من مجتمع المادة المفسدة والحكم الفردي القاسي.

> في «يوتوبيا» توماس مور، كما هو الحال في «جمهورية افلاطون» ليس ثمة ملكية خاصة، هناك الخير العام والمساواة. ويفيدنا توماس مور في فصول كتابه التي يفردها لوصف المدينة - التي لن يقول ابدًا انها مدينة خيالية، بل هي بالنسبة اليه مدينة موجودة في مكان ما من العالم، ما يعني انه يقدم كتابه وكأنه كتاب في أدب الرحلات فيه وصف عياني لما رآه وعايشه من وضع الكتاب -، أن «يوتوبيا» تنقسم الى 54 مدينة ثانوية صُمّمت كلها على نمط واحد باستثناء العاصمة. وفي كل مكان للشوارع العرض نفسه وللبيوت الهندسة نفسها والأبواب بلا اقفال. أما الغريب في الأمر هنا فهو انه يحدث كل عقد من السنين أن يبدل الناس مساكنهم، وذلك لكي يكون الواحد منهم قد عاش خلال حياته في اكبر عدد ممكن من الأحياء والأماكن، ليستحق عن جدارة صفة المواطن. وفي المقابل يرتدي كل المواطنين هنا ثيابًا متشابهة بحيث ان الثياب لا تعكس اية تراتبية إجتماعية أو أي تمايز لمواطن على آخر. ومن ناحية العمل فإن على كل شخص أن يعمل ست ساعات في اليوم. وينام ثماني ساعات. ولكنه يعرف ان ثمة عند الصباح دروسً تعطى للجميع. ومع هذا ليس ثمة مساواة مطلقة في هذا المجتمع بل إن بعض الناس، ولكن فقط بفضل قدراتهم العقلية، ينتخبون رجال معرفة من قبل الآخرين جميعاً. ومن القواعد المعمول بها أسريًا في هذا المجتمع ان الأبنـاء يعيشون في بيوت الآباء، حتى يفيض عدد الأطفال عن مقدرة المنازل الاستيعابية فتنشأ فروع جديدة.

> واللافت هنا وجود الرقيق، الذين لا يتمتعون بالامتيازات نفسها، وهم يزاولون الأعمال القاسية، ولا سيما ذبح الحيوانات (لكيلا تعم روح القسوة بين الأحرار!). والطعام جماعي، تطبخه النساء، ويقدمه العبيد. أما الزواج فيتم فقط بين الأحرار على ان يتزوج العبيد في ما بينهم إن هم شاؤوا ذلك. ومن الناحية الاقتصادية، يفيدنا أحد فصول الكتاب ان التجارة الخارجية تعيش حالاً من الازدهار الدائم. وبالتالي ثمة علاقات تجارية مع الخارج موضوعها تصدير ما يفيض عن حاجة السكان من المواد المزروعة او تلك المصنّعة وكذلك ما يحتاجه هؤلاء السكان ولا يمكن انتاجه محلياً. ولكن تماماً كما ان ثمة تبادلات تجارية مع الخارج هناك كذلك حروب تنشأ معه بين الحين والآخر لأسباب متنوعة إذ حتى في المجتمعات الأكثر فضيلة لا يمكن ازالة الشرور وضروب الطمع حتى لو كان بالإمكان التخفيف منها. وبالتالي ثمة حروب وجيوش من المقاتلين أما هؤلاء فهم من مرتزقة يُستأجرون لكي يقوموا بالقتال والدفاع عن أهل المدينة، وهم غالبًا اجانب. والنساء تحارب كالرجال. وأما بالنسبة الى القواعد الأخلاقية المعمول بها هنا فهي قواعد صارمة، بل صارمة الى درجة ان المفكر الإنكليزي برتراند راسل حين كتب عن «يوتوبيا» من خلال كتابته عن مؤلف الكتاب قال ان الحياة لا شك مملة في هذه المدينة الفاضلة الى درجة لا تطاق. ولكن سواء كانت مملة او غير مملة، من المؤكد ان وصف الكتاب للحياة هناك قد داعب مخيلة الكثيرين، وكان في خلفية الكثير من النظريات الخيالية وغير الخيالية، من دون ان ننسى أن كثراً من المفكرين رأوا فيه محاكاة أو مجرد استكمال لنظريات أفلاطون التي اسهب هذا الأخير في الحديث عنها ولا سيما في «الجمهورية» و «القوانين».

> مهما يكن من الأمر هنا، سيكون من المفيد ان نذكر ان كتاب «يوتوبيا» كان في الأصل وفق ما يخبرنا السير توماس مور نفسه، كتابين ولم يكن كتاباً واحداً، «اكتشف» مور ثانيهما حين زار هولندا واجتمع بصديقه الفيلسوف النهضوي ايرازموس، الذي أهدى اليه الكتاب بعدما «اعاد كتابته» عام 1516، سائلاً اياه ان يساعده على نشره.

> وتوماس مور الذي ارتبط اسمه بهذا الكتاب، هو نفسه ذلك المفكر الذي تربى تربية دينية لكنه آثر التفكير الحر بعد ذلك. وهو ولد عام 1478. حين انهى دراسته وتخصص في القانون، ارتبط بالملك هنري الثامن الذي منحه لقب سير عام 1514 وقرّبه منه كثيراً. بل حدث ذات لحظة أن عيّنه الملك مستشاراً له، في وقت كان الملك على وشك طلاق كاثرين داراغون، احدى زوجاته، والاقتران بآن بولين، وكان مور - المرتبط بالكنيسة الرومانية - معارضاً للطلاق، فأقاله الملك ثم دعاه لحضور عرسه فرفض. بعد ذلك اعلن هنري الثامن نفسه رأس الكنيسة الإنكليزية وهو ما عارضه مور أيضاً، فدين بتهمة الخيانة العظمى وقطعت رأسه عام 1535، ليدخل التاريخ كمفكر حر شرس، ولكن خصوصاً كصاحب ذلك الكتاب الذي يتحدث، سلبًا، عن انكلترا بالطبع، اكثر مما يتحدث ايجاباً عن اية دولة خيالية.

نقلا عن الحياة اللندنية

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.