Menu

سايكس بيكو وحروب المائة عام الجديدة : بقلم رياض مسعسع

سايكس بيكو وحروب المائة عام الجديدة : بقلم رياض مسعسع

عندما أعطى الشريف حسين ثقته للسير هنري مكماهون المندوب السامي للتاج البريطاني في مصر (في تبادل رسائل عشر بينهما في الفترة الواقعة بين 14 تموز/ يوليو 1915 و 30 كانون الثاني / يناير 1916 والتي بموجبها وعدت بريطانيا بإنشاء الخلافة الاسلامية بعد نهاية الحرب وإسقاط الامبراطورية العثمانية مقابل مساعدة الحلفاء في الحرب ضدها، وبحسب هذا الوعد «الخلبي» قام الشريف حسين بإعلان الثورة العربية الكبرى).

 لكن حسابات الحقل للشريف حسين لم تطابق حسابات بيدر مكماهون، إذ لم يكن يعلم أن الحلفاء كانوا يبيتون شيئاً آخر سيغير منطقة الشرق الاوسط، ويجر ويلات وحروباً لا تنتهي، فمكماهون تخلى عن وعوده مع أول منعطف، بل أن محادثات سرية بين فرنسا وبريطانيا وروسيا كانت تعقد لاقتسام تركة الرجل المريض في المدة الزمنية نفسها التي كانت تتم فيها مبادلة رسائل الحسين – مكماهون، حتى ان هذا الأخير كتب لنائب الملك لورد هاردينغ يقول:
«لم يكن لي رغبة في إعطاء العرب ما وعدتهم به».
اكتشف العرب مفجوعين في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 19177عن طريق مقال في صحيفتي ازفيتزيا وبرافدا أن بريطانيا وفرنسا وقعتا اتفاق ما يعرف باتفاقية سايكس- بيكو لتقسيم تركة الرجل المريض في الهلال الخصيب (سوريا الكبرى) في 16 أيار/ مايو 1916 (تقسيم وإنشاء اربع دول: سوريا حالياً، لبنان، الأردن، فلسطين وجر وراءه وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917 أي منذ قرن من الآن في التمام والكمال) كأول بلقنة للمنطقة، وإنشاء دولة اسرائيل التي جرت وراءها حروباً ونزاعات أدمت وخربت وأفلست شعوب وبلدان المنطقة بأكملها. (ثورات ضد الفرنسيين والإنكليز والمستعمر الصهيوني، ثم حروب معه في 48، و56، و67،و73، و82، و2006، وحرب لبنان، وحرب العراق – ايران، ثم حرب العراق – امريكا، وحروب أهلية في العراق وسوريا).
هذه الدول الوليدة لم تنجح، وخاصة في سوريا والعراق لأسباب مختلفة في بناء دول بمقومات اقتصادية واجتماعية وسياسية تكفل لها الانتقال من دول متخلفة إلى دول ناشئة ذات نمو يكفل لشعوبها عيشاً كريماً، ونظاماً سياسياً ديمقراطياً تعددياً مؤسساتياً يضمن استقرار واستمرار الدولة دون هزات الانقلابات العسكرية المتتالية بوتيرة متسارعة، وسيطرة الحزب الواحد، وعبادة الفرد القائد الملهم إلى الأبد.
 في ظل اندلاع الحريق العربي – بعد أن كان ربيعاً- وأملاً للشعوب بالتحرر من ربقة الأنظمة الديكتاتورية التسلطية بدأت مرحلة حروب مئة عام جديدة، ليست حروباً خارج حدودها (مع ايران، تركيا، اسرائيل) بل داخل الحدود التي رسمتها سايكس بيكو اللعينة، إذ وحسب مخططات حديثة خبيثة هناك رسم حدود جديدة لدول أخرى ستلد بعد المخاض المرير العسير الذي ادمى الشعبين العراقي والسوري، أي بلقنة جديدة داخل البلقنة القديمة تنشأ من خلالها دول على اساس عرقي وطائفي، أي أن هناك عودة لسيناريو قديم لم يتحقق عندما حاولت فرنسا تقسيم سوريا إلى أربع دول سنية وعلوية ودرزية (دولة دمشق، دولة حلب، دولة جبال العلويين، دولة جبل الدروز) مع إغفال حق الأكراد ببناء دولة لاعتبارات غربية تركية ايرانية. لكن اليوم يعتبر الأكراد المكون الأساسي في بناء دول جديدة في العراق وسوريا على اقل تقدير، منذ أن دعت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة زعيمي الحزبين الكرديين المتصارعين في العراق، مسعود البارزاني وجلال الطالباني إلى واشنطن قبيل الهجمة الأمريكية على العراق وطلبت منهما التصالح لصالح الشعب الكردي والدولة الوليدة بعد حين. وتقسيم العراق بين شيعة وسنة وكرد.
أما في سوريا فتلعب كل من واشنطن وموسكو وطهران وأنقرة سيناريو مشابهاً لتقسيم سوريا إلى دويلات أقلها ثلاث: كردية، وسنية، وعلوية، فواشنطن تدعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني الكردي بزعامة صالح مسلم، وتزود قوات «قسد» التابعة له بالأسلحة بحجة محاربة داعش والتمدد جغرافياً في الاراضي السورية لرسم حدودها في منطقة الجزيرة، وموسكو وطهران تدعمان نظام الأسد «العلوي» وحزب الله وميليشيات العراق وتوابعها لفرض كيان جديد يعبر الحدود السورية اللبنانية عبر التهجير الديمغرافي ليكون هناك امتداد جغرافي واحد لمناطق نفوذ الحزب من البقاع اللبناني إلى القصير والزبداني ومضايا وبقين في الأراضي السورية، ويبقى للدولة العلوية الشريط المفيد من المدن السورية من حلب إلى دمشق، وتترك منطقة إدلب والصحراء مع بعض مدن الجنوب للسنة برعاية انقرة بعد القضاء على داعش.
هذا التقسيم الجديد المحتمل والذي ربما لن يعلن إلا بعد إفشال كل محاولات الانتقال السياسي بين المعارضة السورية ونظام بشار الأسد، واستمرار الاقتتال والتدمير بين الفصائل المسلحة والجيوش والميليشيات المختلطة لتصل الأزمة السورية إلى طريق مسدود وفرض الأمر الواقع على الأرض، وتقديم سيناريو التقسيم كأفضل حل، وفي افضل الأحوال الفيدرالية التي تعني ايضاً تقسيماً مقنعاً.
هذه البلقنة الجديدة لا تعني بالضرورة استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها وليس سوريا والعراق فحسب، بل هي بذور حروب جديدة وصراعات لا تنتهي ربما لقرن مقبل. وستصبح اسرائيل الدولة العظمى في المنطقة لا أحد يتجرأ على المساس بها أو حتى انتقادها، تفعل ما تشاء وتعربد كما تشاء، كما تفعل اليوم في الأجواء السورية وقصفها للموقع الذي تختاره وتعتبر انه يشكل عليها خطراً، بل ربما تتحالف مع بعض هذه الدويلات المنشأة بجرة قلم ضد البعض الآخر، لنعود خمسة قرون إلى الوراء لنتذكر ملوك الطوائف، وألفونسو وفيرناندو وايزابيل القشتالية ونتحسر على سوريا والعراق ولبنان وفلسطين كما نتحسر على قرطبة، وغرناطة، واشبيليا.
كاتب سوري

 
نقلا عن القدس العربي

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.