Menu

رشيد رضا في مواجهة السلطان عبد الحميد: بقلم هاني بشر

رشيد رضا في مواجهة السلطان عبد الحميد: بقلم هاني بشر

تمثل مدينة إسطنبول التركية منفى متكررا للعرب في أعقاب أية مشاكل سياسية مزمنة على مدار أكثر من قرن ونصف القرن حتى الآن. حدث هذا مطلع القرن العشرين وتكرر في ثورة ١٩١٩ وأخيرا بعد ٢٠١٣. ولا يغير من هذا الأمر اختلاف النظام السياسي الحاكم هناك من خلافة وسلطان إلى جمهورية كمالية وأخيرا جمهورية أردوغانية. فقد وجد كثير من الإسلاميين السوريين مثلا ضالتهم هناك بعد الصدام مع النظام السوري مطلع الثمانينات قبل أن يكون في أنقرة نظاما يتعاطف مع التيار الإسلامي.

قد كان العرب ولا يزالون ينظرون بعين الإعجاب والتقدير للتجربة التركية كدولة عثمانية راعية مطلع القرن العشرين وكنموذج اقتصادي ناجح مؤخرا وضاعت المعارك الفكرية التي خاضها مفكرون عرب ومسلمون مع مشاكل النظام السياسي التركي قديما وحديثا وسط هذه الانبهار. فالكتاب الذي يذيع صيته حاليا لعبد الرحمن الكواكبي وهو "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" كتبه في السلطان عبد الحميد الثاني وفي إطار دعوة الكواكبي لإصلاح الإدارة العثمانية. وكانت هذه الإدارة تنظر بعين الشك والريبة لمثل هذه الدعوات الإصلاحية وتعتبرها جزءا من الحركة القومية العربية الساعية للانفصال عنها. فلم تفرق بين المفكر الناصح والمتمرد المتآمر. ويقال إن تدبير اغتيال الكواكبي كان من طرف الباب العالي بسبب مواقفه تلك. ولم يكن الكواكبي وحده هو الذي نحى هذا المنحى بل تبعه في ذلك العلامة رشيد رضا.

كان رضا صاحب مجلة "المنار" يناصر الدولة العثمانية لكنه يعادي السلطان عبد الحميد الثاني وسياساته مطالبا بتطبيق الشورى والإصلاحات السياسية في إدارة الدولة بالإضافة لتحسين العلاقة بين العرب والأتراك والأجناس الأخرى في الدولة. وكان السلطان ورجاله يناصبونه العداء، فكانت مصادرة مجلة "المنار" مرة بعد أخرى وصدر أمر بضبطه وإحضاره. ومن العجيب أن رشيد رضا كان ينادي أيضا بحرية البحث في السياسة والدين والعلم وأن هذا هو المخرج الوحيد لمشاكل الدولة وكان هذا الأمر يعد تهمة عند الإدارة العثمانية في ذلك الحين.

كان رشيد رضا والكواكبي وغيرهم يرون أن هناك أولوية للإصلاح السياسي للدولة العثمانية لتجتاز مشاكلها التي تزداد يوما بعد آخر. حينها كان التاريخ يسير للأمام والعثمانيون يزحفون نحو الخلف حتى وقعت الواقعة وقضي تماما على هذه الدولة وأصبحت جزءا من التاريخ بحلوها ومرها. فخلف من بعدهم خلف نسيوا ظلال كتاب الاستبداد ومعارك المصلحين المؤمنين بالجامعة الإسلامية ووحدة المسلمين مع خليفة مؤمن بذات الأمر لكنه أراد السير ضد حركة التاريخ.

لم يشفع للكواكبي ورشيد رضا إنجازاتهم الفكرية أو مناصرتهم للدولة العثمانية عند السلطان الذي لا يحب المعارضين، كما لم تشفع للسلطان عبد الحميد إنجازاته على صعيد المشروعات الكبرى مثل سكك حديد الحجاز ومحاولة لملمة شتات العالم الإسلامي في زمان لم يعد يعترف بالحاكم الفرد وفي ظل صعود شعارات الحرية والمساواة.

إن أصحاب الإنجازات الاقتصادية الكبيرة إذا اعتبروا أن عالما مثل رشيد رضا أو مجلة مثل المنار تهديدا لسلطتهم فإن هذا يشير بالضرورة أنها ليست سلطة راسخة وإن بدت غير ذلك. والحاكم الذي يخشى من أصوات الإصلاح السياسي سيأتيه التغيير من باب آخر، لكنه سيكون أكثر زخما وقوة. والدرس التاريخي هنا مشترك للعرب والأتراك لأنه يبدو أن قدرهم أن يخوضوا دروسا مشتركة كثيرة قديما وحديثا.

نقلا عن مصر العربية

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.