Menu

لقاء العقبة السري.. تداعيات ومحاذير : بقلم صالح النعامي

لقاء العقبة السري.. تداعيات ومحاذير : بقلم صالح النعامي

توظيف روافع الضغط العربية تجاوز إسرائيل لتنازلات العقبة دلالات الصمت المصري والأردني

سمح كشف صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الأحد الماضي عن لقاء "العقبة" السري -الذي تم في 21 فبراير/شباط 2016، وجمع كلا من عبد الفتاح السيسي وعبد الله الثاني وبنيامين نتنياهو وجون كيري- بإطلالة نادرة على مدى استعداد نظاميْ الحكم في القاهرةوعمان لخفض سقف المطالب العربية، ومواءمتها مع مطالب الجانب الصهيوني لإرضائه وإشباع صلفه.

وفي الوقت ذاته، فإن اللقاء مثّل أول فرصة للتعرف بشكل عملي على طابع ومرامي "التسوية الإقليمية" للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، التي يروج لها نتنياهو والإدارة الأميركية الجديدة، ومناقشة دوافع لقاء العقبة ومضامينه ونتائجه وتداعياته.

توظيف روافع الضغط العربية
يتضح مما ذكره الصحفي بارك رفيد -الذي كشف عن لقاء العقبة- أن الإدارة الأميركية هي التي بادرت إلى عقد هذا اللقاء، لاختبار مدى جدية التعهد الذي قدمه نتنياهو للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أواخر عام 20155 باستعداده للتوصل إلى حل للصراع مع  الشعب الفلسطيني في إطار تسوية "إقليمية".

وحسب منطق نتنياهو، فإنه يمكن أن يكون للدول العربية دور فاعل في التوصل لتسوية سياسية للصراع، بزعم أن ممثلي الفلسطينيين غير جاهزين للتسوية، وأن هناك حاجة لتوظيف روافع الضغط التي تملكها الدول العربية واستخدامها ضد الفلسطينيين لإرغامهم على إبداء مرونة أكبر.

وقد استجاب الأميركيون لطلب نتنياهو فطلبوا من نظاميْ الحكم في عمان والقاهرة ترتيب لقاء "قمة" مع نتنياهو وبمشاركة كيري، ليوفر البعد الإقليمي الذي ينشده رئيس الوزراء الإسرائيلي، ويشكل في الوقت ذاته مسوّغا لممارسة ضغوط عربية على الفلسطينيين  للقبول بما سيطرحه كيري.

مع العلم بأن لقاء العقبة -وفق شهادة مساعدي كيري كما وثقتها "هآرتس"- جاء بعد إحباط نتنياهو جهودا مكثفة بذلها كيري خلال عام 2015 لاستئناف المفاوضات مع السلطة.

الطامة الكبرى تتمثل في أن المبادرة التي طرحها كيري خلال لقاء العقبة -بعد الحصول على موافقة السيسي والملك عبد الله- ورفضها نتنياهو على الفور، لا تمثل فقط نكوصا فجًّا عما ورد في "مبادرة السلام العربية" التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 20022، بل تمثل -في الواقع- تصفية حقيقية للقضية الفلسطينية.

فرغم أن المبادرة استندت إلى "حل الدولتين" على أساس حدود 1967، فإنها -من ناحية عملية- تضمنت بنوداً تحوّل فكرة الدولة الفلسطينية إلى صيغة مشوّهة لنموذج الحكم الذاتي.

إن أخطر ما طرحه كيري -وقبِله السيسي وعبد الله- في لقاء العقبة يتمثل في قبول العالم العربي أن تلبي أية تسوية للصراع "الاحتياجات الأمنية لإسرائيل وتضمن تمكينها من الدفاع عن نفسها".

وعند ترجمة هذا البند -استنادا إلى المعايير الإسرائيلية- فإنه يعني استعدادا فلسطينياً للتنازل عن مساحات من الأرض في الضفة الغربية، ترى تل أبيب أن الاحتفاظ بها يُعدّ من الاحتياجات الأمنية لها.

ومن هنا، فإن جميع الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم في تل أبيب وقوى المعارضة -التي تمثل الوسط الإسرائيلي- تعارض الانسحاب من منطقة "غور الأردن"، التي تشكل حوالي 28% من الضفة الغربية، بحجة أن الاحتفاظ بهذه المنطقة يقلص قدرة أي طرف على مباغتة إسرائيل بشن هجوم من الشرق.

وفي الوقت ذاته، فإن نص المبادرة على "ترتيبات أمنية" تحسّن قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها يعني قبول العرب بأن تكون الدولة الفلسطينية بلا سيادة على حدودها، حيث إن ضمان حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها يتطلب -وفق المنطق الصهيوني- السيطرة على الحدود مع الأردن.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن المبادرة تقر باحتفاظ إسرائيل بالتجمعات الاستيطانية الكبرى -التي تمتد على 12% من مساحة الضفة الغربية- فإن هذا يعني عمليا تنازلا فلسطينياً مسبقا عن 40% من مساحة الضفة الغربية.

صحيح أن المبادرة تتحدث عن ضم إسرائيل للتجمعات الاستيطانية ضمن صيغة تبادل أراضٍ تتخلى إسرائيل بموجبها عن أراضٍ لضمها إلى الدولة الفلسطينية.

لكن الأراضي التي تبدي أوساط في حكومة نتنياهو استعدادا للتنازل عنها هي منطقة "المثلث"، وذلك للتخلص من أكبر قدر من الثقل الديموغرافي لفلسطينيي الداخل؛ وهذا يمثل ترحيلا مقننا ومسًّا بهذه الشريحة الفلسطينية عبر مساواتهم بالمستوطنين المغتصبين للأرض.

ولا تقف الأمور عند هذا الحد، بل إن كيري أبلغ نتنياهو موافقة العرب على "الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وضمان الحفاظ على طابعها الأساسي". ولا خلاف أن الاعتراف بيهودية إسرائيل يعني تنازلا طوعيا ومسبقا عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة للأراضي التي شردوا منها عام 19488.

فحسب المنطق الإسرائيلي، فإن الاعتراف بيهودية إسرائيل يعني إضفاء شرعية على كل ما يتطلبه الحفاظ على طابعها اليهودي، وعلى رأسه المركّب الديموغرافي. ومن هنا، لا يوجد أي طرف فلسطيني -بغض النظر عن توجهاته السياسية- مستعد للاعتراف بيهودية إسرائيل، بسبب خطورة الطاقة الكامنة في هذا الاعتراف.

تجاوز إسرائيل لتنازلات العقبة
إن ما طرحه كيري في لقاء العقبة -وقبِله السيسي وملك الأردن- بات من التاريخ، لأن ما أرسته إسرائيل من وقائع على الأرض بعد اللقاء ينسف أية فرصة لوضع مبادرة كيري -على تواضعها- موضع التنفيذ.

فعلى سبيل المثال، نصت مبادرة كيري على تدشين دولة فلسطينية على إقليم متصل جغرافياً. لكن ما أقدمت عليه إسرائيل عمليا مؤخرا ينسف هذا البند، حيث أجازت حكومتها مشروع "E1" الاستيطاني الذي يربط مدينة القدسبمستوطنة "معاليه أدوميم" الواقعة شمال شرق المدينة المقدسة.

وإذا عرفنا أن الشارع الذي يربط شمالي الضفة الغربية بجنوبيها يمرّ في المنطقة الفاصلة بين هذه المستوطنة والقدس، فإن تدشين مشروع "E1" يسدل الستار على أية إمكانية لإقامة "دولة متصلة الإقليم".

إن المفارقة تكمن في أنه رغم رفض نتنياهو التنازلات العربية التي قدمت في لقاء العقبة قبل عام، فإنه يواصل التعبير عن حماسه لفكرة "التسوية الإقليمية"، ويلمح إلى استعداد عربي لتوفير الشروط التي يمكن لإسرائيل أن تتعايش معها. وقد تعاظم تفاؤل نتنياهو بواقعية التسوية الإقليمية بعد صعود دونالد ترمب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل حصل نتنياهو -في لقاءات سرية مماثلة للقاء العقبة- على المزيد من التنازلات تجعله مستبشرا بتسوية إقليمية تستجيب لمطالب ائتلاف اليمين المتطرف الذي يقوده ويحكم إسرائيل؟

إن طرح هذا السؤال يكتسي أهمية كبيرة في أعقاب ما كشفه الوزير الإسرائيلي المكلف بالتعاون الإقليمي الدرزي أيوب قرا، من أن السيسي قد اقترح خطة لإقامة دولة فلسطينية في سيناء وغزة تسمح لإسرائيل بالانفراد بالسيطرة على الضفة  الغربية.

فرغم نفي نظام السيسي ونفي نتنياهو، فإن الحديث المتواصل عن التسوية الإقليمية يدفع للاعتقاد بأن قرا أطلق -نيابة عن آخرين- بالون اختبار للكشف عن طابع الردود على هذه الفكرة.

دلالات الصمت المصري والأردني
وإذا كان لقاء العقبة لم يتطرق لفكرة دولة فلسطينية في سيناء، فإنه يمكن افتراض أن لقاءات سرية أخرى جمعت نتنياهو والسيسي وتمت فيها مناقشة هذه القضية، حيث إن وسائل الإعلام الإسرائيلية أشارت إلى أن السيسي طرحها أواخر عام 2014.

ومما يضفي صدقيةً على هذه الشكوك حقيقةُ أن صحيفة "معاريف" زعمت في 31 مايو/أيار 2016 أن السيسي يبادر بالاتصال على نتنياهو هاتفيا مرتين أسبوعيا!! ومن الواضح، أنه في حال صح ما نقلته "معاريف" فإن وتيرة التواصل المكثف بين السيسي ونتنياهو تسمح بتناول الكثير من القضايا، وضمنها مستقبل التسوية.

إن ما يثير الاستفزاز والمرارة في آن معا أنه في الوقت الذي انهالت فيه الانتقادات على نتنياهو داخل إسرائيل بسبب إهداره فرصة التوصل إلى تسوية للصراع بظروف خيالية، واتهامه بالتسبب في إطالة أمد الصراع بدون مبرر، فإن السيسي والملك عبد الله -اللذين كانا شاهديْ عيان على صلف نتنياهو- يلتزمان الصمت.

إن عدم تقديم ملك الأردن والسيسي رواية متماسكة لما تم في مؤتمر العقبة يمثل -من ناحية- إسهاما مباشرا في الجهد الدعائي الصهيوني، عبر إتاحة المجال لنتنياهو لمواصلة الحديث عن "التسوية الإقليمية".

ومن ناحية ثانية، فإن هذا الصمت يضفي صدقية على المخاوف من أن هناك استعدادا عربيا لتقديم المزيد من التنازلات. إذ من الواضح أنه في حال قدّم السيسي والملك عبد الله رواية مصدقة لما حدث في لقاء العقبة؛ فإن أحدا في العالم العربي والعالم بأسره لن تنطلي عليه مسرحية "التسوية الإقليمية" التي يروّج لها نتنياهو.

قصارى القول، وبغض النظر عما دار في لقاء العقبة وما يمكن أن يكون قد دار ويدور في لقاءات سرية أخرى عقدت أو يمكن أن تعقد في المستقبل؛ فإن الشعب الفلسطيني -مدعوما بالشعوب العربية الأخرى وعلى رأسها الشعب المصري- لا يمكن أن يسمح بتصفية قضيته عبر أنماط التواطؤ التي كشف لقاء العقبة عن بعضها.

نقلا عن الجزيرة

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.